فهرس الكتاب

الصفحة 178 من 234

ولأنّ موران في ذلك الموقع النائي المعزول، فلا أحد يصلها إلاّ إذا كان يقصدها، لذلك ألف الناس بعضهم بعضًا، وعرفوا القرابات والعلاقات، وصارت جزءًا من حياتهم. فإذا جاء الغريب لا يمكنه أن يخترق القشرة الصلبة التي تغلّف الناس والحياة هنا، وإذا استطاع فبعد وقت طويل وبكثير من المعاناة القاسية المجهدة. وأهل موران الذين رأوا عددًا من الغرباء، جاءوا أو مرّوا، كانوا، أغلب الأحيان، لا يبدون قلقًا أو خوفًا، ففي داخل تلك الشرنقة التي تحمي وتدفئ، وفي ظل تلك العلاقات الصلبة الراسخة، يعرفون كيف يحمون أنفسهم، وكيف يجب أن تكون ردود أفعالهم تجاه كل ما يحصل حولهم؛ لأنهم على ثقة أنّ هؤلاء الغرباء لا يمتلكون الصبر، ولا يعرفون الدروب الخفيّة إلى دواخل البشر والصحراء، ولذلك فإنّ إقامتهم لن تطول. أمّا الذين جاءوا بهدف الاستقرار، فما يلبث القلق أن يخامرهم، ثمّ يبدأ الخوف يفتك بهم، حتى إذا جاءت تلك الأيام اللافحة المثقلة بالغبار والحرارة، تصل أرواحهم إلى حلوقهم، عندها إمّا أن يستسلموا أو أن يرحلوا. فالذين لا يمتلكون غير هذا المكان، ويمتلؤون إصرارًا على البقاء، يتحوّلون شيئًا فشيئًا إلى نمط من الناس لا يختلف عن أهل موران، بالنظرة، بالسلوك، بملامح الوجوه، وبتلك الرغبة التي تولد القوة على التحمّل والاستمرار. أمّا الذين أكل الحنين قلوبهم وعقولهم، ولسعت ملوحة المياه ومرارتها ألسنتهم، وشعروا أنهم محاصرون، وقد اقترب منهم الموت ولابدّ أن يدركهم، فعندئذ، وفي ليلة من ليالي الصيف، ومع قافلة أو رعية جمال، يرحلون، دون أن يقولوا، ودون أن يفطن لهم أحد، وبرحيلهم تنقطع أخبارهم، ويغيبون تمامًا، حتى إنّه لم يصادف أن عاد إلى موران، بعد أن يكون قد تركها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت