فهرس الكتاب
هكذا كانت موران عبر مئات السنين. صحيح أنها كبرت واتّسعت في بعض الفترات، ثم تراجعت وصغرت في فترات أخرى، بل وكادت تندثر من الطواعين والجوع والحزن، لكنها كانت دائمًا تنهض من بين الرمال وتعاود الحياة.
إنها مدينة عجيبة. حتى القصص التي ترويها الجدّات للصغار تمتلئ بالجنّ والعفاريت، وتمتلئ بالأصوات الخفيّة والبروق، فيحار الصغار والكبار من هذه المدينة، ويتلفّتون حولهم، ويغلفون خوفهم وانتظارهم بالصمت.
أمّا الذين حكموا موران وما حولها فكانوا يخافون هذه المدينة أكثر مما يحبّونها، وكانوا دائمًا يتوقّعون أن تنشقّ الأرض فجأة وتأتي على كل شيء، وهذا التوقّع الذي ملأ الحكّام منذ أن وجدت موران، وإن لم يدركوا له سببًا واعيًا، ملأهم بحقيقة سيطرت عليهم دائمًا: أن يعيشوا ليومهم، أن ينتظروا الغد، لأنّ الغد، أغلب الأحيان، لا يأتي. هذه الحقيقة التي تسربّت بخفاء وعلى مهل، جعلت موران دائمة التوقّع، تنتظر لا تملّ من الانتظار، وكانت عيون الناس لا تفارق قصر السلطان، أيًا كان هذا السلطان.
وإذا كان لكل مدينة مزاجها وطريقتها في التعبير، وتمتلئ في بعض اللحظات بالأشواق أو المخاوف، فإنّ موت السلطان خريبط جعل موران في حالة أقرب ما تكون إلى الانتظار والتوقّع، والناس فيها ينتظرون أو يتوقعّون شيئًا، لكنهم لو سئلوا أي شيء ينتظرون أو يتوقعون فإنهم لا يملكون جوابًا.
قال شمران العتيبي، حين بلغته وفاة السلطان، وكان حوله ثلاثة من أبنائه وبعض الأقرباء والأصدقاء:
-الله ياما شاف قصر الروض قبله، لكن كلّم راحوا. وإذا الله أعطانا عمر بعد نشوف، وإذا قضينا ومضينا اللي يجي بعدنا يشوف ويسولف.