فهرس الكتاب
فالسندباد ليس رحالة عاديًا وحسب. إنه راوٍ لقصته أيضًا، وعلاوة على ذلك، فهو رحالة ومستمع لأخبار السفر في وقت واحد، كما تشير علاقته مع الشيخ الهندي، وهو أيضًا راوٍ لأخبار السفر لمستمع آخر كما تشير روايته إلى عشيقته. وهكذا يعيش السندباد بغريزتين قويتين إحداهما تتعلق بالسفر والأخرى برواية الخبر، يقول السندباد لعشيقته إن قدميه تحثانه على السفر، وإن ذراعيه"لا تهدآن إلا بمصارعة الأمواج والصخور"، حيث تسيطر ذاكرته هنا عليه من خلال حب السرد المتوهج. ويذكرنا هنا على الفور بما يقوله السندباد البحري للسندباد البري في حكايات ألف ليلة وليلة بأن مصيره أيضًا قصة غريبة سيشرع في روايتها له. إن سندباد عفلق مثل السندباد البحري يجد من يلهمه الرواية، إذ ينساب القصص من هذا الإلهام، ويصبح القصص مصيرًا لا مفر منه، حيث الراوي والمستمع، مثلما يحدث مع البحار القديم والضيف الذي كان في طريقه لحضور حفل الزفاف (قصيدة كوليردج الخالدة) ، أو راوية مارلو المشهورة التي يقصها على رفاقه المسافرين على ظهر السفينة في رواية كونراد، قلب الظلام.
هذه رحلة السندباد الملهمة في قصة ميشيل عفلق: دافع للسفر، وإلهام بالقصص. حيث نجد الإطارين في حكاية السندباد يتداخلان عبر دهاليز الخيال.
عنوان القصة الأدبية الأخرى التي ظهرت في نفس العام هي موت السندباد، وهي أشبه بحوار درامي أسماها"مسرحية ذات فصل واحد"، تعرض حياة السندباد وهو يحاور شيوخًا وشبابًا من بغداد يسألونه عن رحلاته وما رآه من أهوال ومخاطر، ولكنهم في النهاية يعجزون عن فهم رسالة السندباد، وتبدو الهوة سحيقة بينه وبينهم، وكلما رد عليهم بحكمة، قابلوه بهزء. ويظل السندباد صامتًا حتى النهاية، وبعد يأس من تواصل الحوار بينه وبين الناس تأتي الخاتمة:
"شاب: تكلم يا سندباد. قل ما هي الكلمة التي تبدد الظنون."
آخر: قل ما هي الحقيقة الوضاءة التي تعمي العيون.