فهرس الكتاب
يلتقط عبد الرحمن منيف رياح التغيير في حياة وداد بل في حياة الأسرة بكاملها ويصوغ أبعادها من خلال مفارقة فنيّة جميلة لا يقدر عليها إلاّ كبار الروائيين أمثال جين أوستن، وتشارلز ديكنز. ومن خلال هذه المفارقة يبيّن لنا الراوي أنّ وداد شخصية متماسكة ومنسجمة مع نفسها في موقفها وسلوكها في الحياة. فإذا كانت قد قبلت الزواج كستر، فإنّها لا تقبل أن يستمر الزواج كذلك. أيقنت وداد أنّ زواجها نوع من الاستجارة بالرمضاء من النار. تركت وراءها حياة مشبعة بالموت لقاء حياة فرضت عليها اغترابًا عن زوجها سنوات طويلة. فلم يعوّضها اغترابها (مجازًا) في الماضي عن أمّها وأبيها اقتراب يكون فيه الزوج شريكًا بعيدًا عنها فعلًا. المفارقة أنّ حياة وداد في بيت الستر الزوجي أصبحت امتدادًا لحياتها السابقة في بيت والديها.عزلة واغتراب من نوع جديد، حساسيتها جعلتها ترى شبهًا كبيرًا بين عزلتها عن والديها وابتعادها عن زوجها.
تتميّز وداد عن غيرها أنّ زواج الستر عندها لا يعني انّه بدون شروط، أو أنّه على الأقل يجب ألاّ يحقّق أدنى شروط الصفقة، وهو المشاركة الزوجية، أمّا أن تستمر الحياة الزوجية سترًا لا يهتكه شيء، فهذا ما لا ينسجم مع شخصية وداد. وأكثر من ذلك لم تقبل بالمقايضة المادية التي يوفّرها لها زوجها سواء وهي بعيدة عنه أم قريبة منه. بعبارة أخرى لم ترَ وداد في الكنز المادي بديلًا للكنز الحقيقي الذي كانت تعيش فقدانه. وهذا ما يولّد أزمة في حياة وداد، في بداية الأمر (سأعرض للتفاصيل لاحقًا) .
إنّ تهافت صبحي المحملجي وراء المطامح المادية جعل وداد تعيش موتًا جديدًا. هذه هي المفارقة. أمّا أفق هذه المفارقة، فهو أوسع من أفق أي مفارقة أخرى من نوعها، واتّساع هذا الأفق هو في حدّ ذاته مفارقة، أي أنّ المفارقة البسيطة تصبح مفارقة مركّبة. كيف ذلك؟