فهرس الكتاب

الصفحة 188 من 234

إنّ إحساس وداد بالموت لا يكون ابتعاد زوجها عنها سنوات طويلة وحسب، وحضوره إلى حلب أو حضورها إلى موران وحران فترات قصيرة لا يمكن أن يسدّ الفراغ العاطفي أو شعورها بأسى الموت. ويتعمّق مدى هذا الإحساس، عندما ترى وداد أنّ زوجها يجري وراء الكنز المادي في بلد الموت. فصبحي مثلًا ليس مغتربًا في فنزويلا أو أمريكا الشمالية أو أمريكا الجنوبية، بل في مكان يمكن أن يكون الموت مصيره في أي لحظة وبدون أسباب ومقوّمات أو مبرّرات. شغله، كما يقولون، مزاجية لابدّ أنّ وداد بإحساسها وخيالها وضعت في حسابها أنّ إمكانية فقدان زوجها في بلد الموت محتملة، وفي النهاية تصبح ليست فقط في عزلة عن زوجها بل فاقدة لزوجها وأبي أولادها. وهذا ما ساهم في تصوّرها لمستقبل أشدّ ظلامًا من حياتها الماضية (على الأقل في بداية الأمر وقبل أن تنجرف هي نفسها في حياة زوجها عندما يغيّر الزمن الأحوال وتكبر ابنتها) .

لا أعرف كاتبًا استطاع أن يصوّر الموت في الحياة، أو كما يسميّه إليوت (Life- in- death) أكثر من عبد الرحمن منيف. وتكمن قدرة عبد الرحمن منيف في السيطرة على مشاعر الرعب الحقيقية التي تنشأ من معرفة أو مشاهدة الرعب فعلًا والقدرة على تصوير هذه المشاعر بشكل يكثّف أو يعمّق هذه المشاعر دون أن تذهب هباءً، كأن تتحول إلى عاطفة جيّاشة أو إلى مجرّد الإحساس بالألم، أو ما إلى ذلك من رسائل تذوب فيها وسائل التعبير عن واقع الألم نفسه، فيصبح التعبير نسيًا منسيًا، وخارج نطاق السيطرة عليه. فصورة الموت التي يصوّرها عبد الرحمن منيف ليست خيالًا علميًا، ولا هي حوادث بوليسية مفبركة تكون المسافة الفنية بينها وبين الفنان ما يسمح بالسيطرة عليها كحوادث متخيّلة ومن ثمّ التعبير عنها بشيء من اليسر، بل هي واقع معاش يحدث أمام الملأ وكأنّه شيء عادي، على الرغم من كل ما فيه من رعب وهمجية تقشعر لها الأبدان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت