فهرس الكتاب
هذا مشهد من الأخدود ما قرأته إلاّ تذكّرت كاتبًا مثل دوستوفسكي الذي يصوّر حوادث عامة مرعبة تقع بين صفوف الشعب، يكون الظلم فيها واضحًا للعيان، ويقف عامة الشعب أمام تنفيذه لا حول لهم و لا قوة وكأنّ على رؤوسهم الطير، أو كأنهم في كابوس. كيف يستطيع الكاتب أن يصوّر المشهد بطريقة تسمو على البوليسية وتتفوّق على الخطابة والسنتمنتلتي التي غالبًا ما تكون ملاذًا يتداعى له التعبير عندما يتأزّم الوضع في مثل هذا الموقف.
المشهد يقدّم إعدام اثنين من المواطنين الأبرياء وضح النهار، ومن الطبيعي أن يثير هذا المشهد التقزّز حتى في محمد عيد مساعد صبحي المحملجي. ومهما طال المقتطف من هذا المشهد، فإنّ الصورة تظل ناقصة بدون قراءة النص الكامل للصورة. هذه بداية المشهد:
"يوم الجمعة، منتصف الصيف."
استيقظ محمد عيد متأخّرًا هذا الصباح، لأنّه تأخّر في نومه، ولأنّ أحلامًا أقرب إلى الكوابيس ملأت ليلته الفائتة." (منيف، ص193) ."
بعد ذلك يأتي وصف حران والجموع الخارجة من الجامع وبقية الناس الذين يرقبون بفزع وغير فزع مصير الضحيتين وعلى مقربة منهم أيضًا عدد من رجال الأمير والشرطة في حالة هياج متوحّش:
"حران في هذه الظهيرة ثقيلة مستبدّة. الهواء ساكن لكنه خطر، أمّا الصمت الذي زحم الأبنية والشوارع فقد كان فاضحًا. لم تكن حران في يوم من الأيام بهذا القدر من الارتياب وخداع النفس، ولم تكن عارية وسوداء هكذا. قال محمد عيد لنفسه وهو يحاول أن يسحب نفسًا لكي لا يموت: اللهم قوّني وأعطني الشجاعة على تحمل المكاره."
في طريقه إلى الساحة أحبّ أن يمرّ بالقرب من دكّانه. تذكّر الاسم الذي أطلقه"خذ غرضك.. وامش."حاول أن يبتسم، لكنه وجد أنّه لا يستطيع. كانت في روحه بقايا حيرة، وكان فمه شديد المرارة.
ألقى نظرة أخيرة، لكن استمرّ حائرًا. تطلّع إلى الأرض والسماء فوجدهما قاسيتين، وبعصبية اتّجه مسرعًا إلى ساحة السلطان خزعل، حيث يطلّ الجامع الكبير.