فهرس الكتاب
"ومن الكلمات القليلة عرف الناس أنَّ الرجلين اللذين قبض عليهما في اليوم الفائت، أبلغ عنهما أحد الرعاة، وقال إنهما كانا مسؤولين، مع آخرين، عن نسف خط الأنابيب، وخلال ساعات قليلة قرر ابن الشبلي أنَّ الرجلين يجب أن يقتلا، اعترفا أو لم يعترفا، لأنَّ ابن هذال نفسه سوف يخاف، وأنَّ رجاله سيخافون، ومن أجل الأمة والرعية، كما قال وأكّد، وكما طلب منه السلطان خزعل، لا فرق بين مذنب أو من يريد أن يكون مذنبًا." (منيف، 202) .
وينتهي المشهد بحوار بين محمد عيد، وسائقه، وهما خارجان من حران وقد خلّفا وراءهما المشهد المروّع الذي يغيب معه الصواب. وهنا يبدي الراوي مهارة فائقة في التقاط خلجات المشاعر الشفافة التي تخترق حدود الخوف والشكّ والريبة من كل شيء.
"في السهل المنبسط غير النهائي كانت السيارة تسابق الريح والرمال، وكان الهواء الساخن يلفح الوجوه ليصل إلى أصابع الأقدام، ثم يندفع مرّة أخرى لينثر ذرّات الغبار التي تشكل حاجزًا بين الأشياء كلها، وهذا الحاجز يجعل الرؤية والرغبة والفكر مختلطة إلى درجة أنَّ أي شيء يشبه أي شيء آخر. قال محمد عيد بطريقة فجّة:"
ـ حلوة!
ردّ السائق بنفس الفجاجة:
ـ أي نعم حارة.
ـ أنت من حران؟
ـ لا.
ـ من أين؟
ـ من أرض الله الواسعة!
ـ صحيح من أين؟
ـ احزر.
ـ الشكل يقول إنك من السلطنة... أمَّا اللهجة...
ـ لو كنت من السلطنة لكان واحد غيري يسوق بك هالحين...
وبعد قليل وبحزن:
ـ لو كنت من السلطنة لخربت الدنيا.
وبعد فترة صمت سأله السائق من جديد:
ـ كنت بحران اليوم الظهر؟
ـ أي نعم.
ـ وشفت اللي صار!
ـ أي نعم ..
ـ ولا أي ابن كلب قال كلمة، ولا أي ابن كلب رفع رجل عن رجل، والمساكين راحوا بكيسهم. الله يرحم المساكين.
وبعد أن زفر أضاف:
ـ لو كان بحران رجال، لو هذا اللي صار صار بمكان ثاني لانقلبت الدنيا، لكن الناس مثل الغنم، يركضون ويصرخون وأخرتها يجي كم ابن حرام ويغفّون الأول والتالي.