فهرس الكتاب
فعندما وجد نفسه مجبرًا على الإقامة الجبرية في قصره بأمر من الأمير فنز من خلال رسالة نقلها حامد فجأة عاش بعدها لحظات حرجة في حياته التي أصبحت أقرب إلى الموت منها إلى الحياة. في تلك اللحظات عاش على وهم كان لابدَّ له أن يزوره وأن يقنع نفسه أنَّه هو الحقيقة، في كل لحظة كان يسوق لنفسه وهمًا لابدَّ من التشبّث به من أجل المحافظة على البقاء على الأقل. وظلّت الأوهام تتراكم لديه إلى أن حسم الموقف بأمر لاحق من السلطان يطلب منه المغادرة فورًا ولم يفق إلى رشده إلاَّ عندما طلب من المضيفة في الطائرة التي تقلّه كوبًا من الماء، ذاق فيه فعلًا طعم الكنز الحقيقي لأوّل مرّة في حياته، وهو الماء الذي وجد فيه أكسير الحياة، هذا كل ما تبقّي له في الحياة منها، وكأنَّه يفيق من أحلامه وأوهامه التي عاشها ردحًا من الزمن. ومن المفارقات الكبيرة أنَّه تمنّى لو أنَّ وداد بجانبه أثناء الأزمة ليستنير برأيها. وهذه أوّل مرّة يتمنّى مثل هذه الأمنية، وإنَّه لمن قبيل المفارقة الكبيرة أن تكون وداد في هذه الظروف القاسية بعيدة عنه، فكما عاش مختارًا بعيدا ًعنها طيلة هذه المدة، فإنَّه من قبيل الإنصاف ألاَّ تكون قريبة منه أثناء الأزمة، لكي يعرف بنفسه ومن خلال هذه التجربة المريرة معنى الحياة الأسرية ومغزى الزوجة الشريكة لـ"أم الأولاد"، كما كان يناديها، كأنَّ الراوي هنا يذكر صبحي المحملجي أنَّ الزوجة ليست شريكة في الضرّاء فقط بل في السرّاء أيضًا. وباختصار لابدَّ أنَّ صبحي الملحمجي ذاق طعم الموت أثناء الإقامة الجبرية الفجائية التي لم تكن في حسبانه، وكما دخل موران وحيدًا بأحلام ورديّة خرج منها وحيدًا بكوابيس سوداوية مخلّفًا وراءه القصور والكنز المادي.