فهرس الكتاب
وليس المقصود في مقارنة خلفيّة رواية بخلفيّة رواية أخرى هو الانتقاص من قدرة كاتب أو رفعة آخر على حساب غيره، بل هو التنبّه إلى أنَّ الخلفيّة أو الواقع المعيّن الذي ينطلق منه الروائي له أثر كبير في استثمار مواهب الروائي، وفي النهاية تشكيل الرواية وفنّيتها، أي أنَّه لا يمكن لرواية عظيمة أن تكون أصلًا بدون واقع غنّي حضاريًا يؤهّل الروائي أن يتحرّك بيسر بين حقبة تاريخية وأخرى، وأن ينظر عبر آفاق تبدّلت فيها أحوال البشر في مكان معيّن ونشب الصراع بأنواعه بين قيم الكنز الحقيقي، ومصالح الكنز المادي. فغياب الصراع من الواقع الذي تنبع منه الرواية يقزّم حجم الرواية ويحصر نشاطها في سرد الحوادث ووصفها، وهي تحدث في الزمن لا وهي تحفر في النفس البشرية أخدودًا تظل آثاره شاهدة على الدراما الإنسانية. إنَّ العواطف والأفكار في نوسترومو متشابكة متداخلة معقّدة متصارعة يتداخل فيها العام والخاص، ويتعانق فيها الماضي والحاضر، بل إنَّ الزمن بحدوده المعروفة لا يعود له قيمة من جرّاء ما ينتجه الصراع من تعقيد. لنأخذ على سبيل المثال تشارلز جولد وعلاقته بمنجم الفضّة. حارب جد جولد مع المحارب بوليفار الذي حرّر عدّة أقطار في أمريكا الجنوبية عام 1821. كان عمّه رئيس مقاطعة سولاكو وقُتل خلال حكم بنتو. قامت شركة إنجليزية باستثمار منجم الفضّة خلال حكم بنتو إلى أن أغلق المنجم أثر ثورة عماليّة بعد مقتل بنتو (1830) . بعد ذلك انتقل امتياز المنجم إلى عائلة جولد. وفي هذه الأثناء. كتب والد تشارلز جولد إلى ابنه الذي كان في الرابعة عشرة من عمره في مدارس إنجلترا يقصّ عليه أخبار المنجم. وعندما بلغ تشارلز العشرين بدأ المنجم يداعب خياله، وبعد بضع سنوات تزوّج من أميليا جولد وقرّر العودة إلى كوستجوانا، في سولكو موطن المنجم، بعد سنة من زواجه وبعد غياب عشر سنوات عن المقاطعة.