فهرس الكتاب
من الواضح هنا أن القصيدة تنقل إلينا ما يشبه رسالة الرسل من أجل إنقاذ الواقع والصلاح مثل قصة عفلق وحواره. وقد كتبت هذه القصيدة السندبادية في فترة كان العالم العربي ينتظر وليدًا مسعودًا في دور المخاض ويحلم بالآمال العراض. وقصيدة حاوي تعبر شعرًا عما جاء به عفلق نثرًا، ولكن بتفاصيل تفوق الصورة المكثفة عند عفلق.
يقدم حاوي قصيدته السندباد في رحلته الثامنة بمقدمة تشبه تقديم قصة عفلق عشيقة السندباد اعتذارية في ظاهرها، فنية في مضمونها، كلا المقدمتين ينبه القارئ إلى الأخذ بأسباب الصورة الجديدة للسندباد التي تنأى عن المادية وتتمسك بالروحية، أو ما أسماها عفلق بالنفسية، وكأن حاوي كان على علم بقصة عفلق حتى في تقديمه عندما صور سندباده وهو يلقي بثيابه جانبًا مثل سندباد عفلق. يقول حاوي في هذه المقدمة مشيرًا إلى السندباد:
"كان في نيته ألا ينزعج عن مجلسه في بغداد بعد رحلته السابعة، غير أنه سمع ذات يوم عن بحارة غامروا في دنيا لم يعرفها من قبل، فكان أن عصف به الحنين إلى الإبحار مرة ثامنة. ومما يحكى عن السندباد في رحلته هذه أنه راح يبحر في دنيا ذاته، فكان يقع هنا وهناك على أكداس من الأمتعة العتيقة والمفاهيم الرثة، رمى بها جميعًا في البحر ولم يأسف على خسارة، تعرى حتى بلغ بالعري إلى جوهر فطرته، ثم عاد يحمل إلينا كنزًا لا شبيه له بين الكنوز التي اقتنصها في رحلاته السالفة."
والقصيدة رصيد لما عاناه عبر الزمن في نهوضه من دهاليز ذاته إلى أن عاين إشراقة الانبعاث وتم له اليقين" (72) ."
وهكذا يقوم الشاعر السندباد برحلة روحية لا مادية ينقلها إلينا بواسطة رموز دينية، وميثولوجية يرى من خلالها أعماق ذاته وقد اتحدت بأبعاد وطنه الذي رافقه في الغربة.