فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 234

تبدأ القصيدة بمشهد السندباد وهو يحمل معه وطنه وماضيه الذي لا يفارقه (ومن المعروف أن الحنين إلى الوطن عند السندباد القديم كان لا يفارقه في ترحاله، ولم تكن العجائب التي كان يراها في بلاد الله الواسعة تشغله عن وطنه بل كانت تزيده ولعًا به) :

داري التي أبْحَرْت، غرّبتِ

معي، وكنت خير دارْ

في دوخة البحار

في غربتي

وغرفتي

ينمو على عتبتها الغبارْ،

في مدنٍ تحجّر الليل بأعصابي

فأمضي، أرتمي والليل في القطارْ (73-74) .

والالتحام أيضًا لا يكون فقط بين الشاعر السندباد ووطنه، بل أيضًا بين الشخص والراوي في الشاعر السندباد:

رَوَيتُ ما يروون عني عادةً

كتمت ما تعيا له العبارة

ويذكّرنا هذا الكتمان بصمت السندباد المطبق عند عفلق بالرغم من جميع الأسئلة المثيرة التي كانت تنهال عليه من أفراد الجمهور. غير أن سندباد حاوي هنا يحرر نفسه من غوغائية الجمهور ومادية جسده آملًا في الوصول إلى الرؤية المنشودة، إلى البشارة:

طهرت داري من صدى أشبامهم

في الليل والنهار

من غل نفسي، خنجري،

ليني، ولين الحية الرشيقة،

عشت على انتظار

لعله إن مر أغويه،

فما مر

وما أرسل صوبي رعده، بروقهْ

طلبت صحو الصبح والأمطار، ربي، ... (82-83) .

وهكذا تتحول رحلات السندباد السبع إلى رحلات العذاب الأسطورية، ينهض السندباد ووطنه من الأنقاض ليشد عروقه بعروق الأرض ويعشب قلبه:

طفل يغني في عروقي الجهلُ،

عريانٌ وما يخجلني الصباحْ،

النبضة الأولى،

ورؤيا ما اهتدت للفظ (89) .

وهنا يقف الراوي ليقيّم رحلاته السبع ويعلن تحوله عنها إلى رحلة ثامنة، وكأنه يقول لنا إن السندباد الجديد هو سندباد الرحلة الثامنة الذي خلّف وراءه الرحلات السبع، فهي ماضية مثلما أن الثامنة هي حاضرة. سندباد الرحلات السبع ضيّع رأس المال والتجارة، ولكنه في الرحلة الثامنة كسب البشارة:

رحلات السبع روايات عن

الغول، عن الشيطان والمغارة

عن حيل تعيا لها المهارة،

أعيد ما تحكي وماذا، عبثًا،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت