فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 234

كان من الطبيعي أن تنعكس نكسات الستينيات على وعي الكاتب العربي مسجلة هذه الإرهاصات في الذاكرة الفنية. صورة السندباد الجديدة تستبدل بُعدًا جديدًا بآخر. باختصار تفقد المنظور المشار إليه أعلاه وتتراجع عن شموليتها، حيث تقف عند الصراع مع الأهوال. فالغول لا يصرع، كما في سندباد حاوي. والغراب، لا يقتل، كما في سندباد سرور. والصلب، والتطهير من أجل حياة جديدة، كما في سندباد عفلق يغيبان عن الواقع.

وخير مثال على هذا التراجع هو قصيدة بدر شاكر السياب:"مدينة السندباد"، التي تعد بحق أصدق تعبير فني عن واقع أليم تحولت فيه مدينة السندباد التي كانت في حكايات السندباد تمثل الأمن والاستقرار لسندبادها وأهله ومجتمعه والتي كانت في رحلاته خارجها شوقًا يمارس سلطانه عليه طيلة رحيله عنها ملحًا عليه بالعودة واللقاء بها وبأهلها. هذه المدينة تحولت بين عشية وضحاها إلى ما أسماه سرور في المقطع الثالث"مدينة العذاب"، فقد أصبحت مدينة يعبث في حياتها الغول، وتنهش من أجساد أهلها الغربان. والظروف التي ولدت منها هذه القصيدة معروفة في تاريخها الحديث. فقد روى لي جبرا أن السياب، صديقه الحميم في بغداد قد حضر إلى بيته ذات مساء، مباشرة بعد الإفراج عنه من السجن، وتحدث معه عن إمكانية الرحيل هربًا من مدينة السندباد إلى الكويت أو بيروت، إذ إنه لم يعد يحتمل مزيدًا من التعذيب والإذلال، سيما وأن صحته العامة كانت لا تساعد على صد الأذى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت