فهرس الكتاب
تقدم لنا هذه القصيدة صورة للسندباد الجديد دون أن تحمل أي إشارة ظاهرة إلى السندباد القديم، وباستثناء العنوان لا يرد اسم السندباد في القصيدة، ولكنه بالإمكان دائمًا أن نتصور الشاعر وهو يحاول التخفي من الخطر مثل السندباد القديم وهو يختفي خلف بيضة الرخ (الطائر العملاق) الذي يختفي وراءه السندباد طيلة ساعات الليل من أجل أن يهرب من الجزيرة التي وجد نفسه أسيرًا بها. وفي جميع الأحوال يخلق الشاعر هذه الصورة الجديدة من خلال التأثير الذي يشيعه في القارئ موتيف السندباد، ذلك الموتيف الذي يسمى في النقد الحديث غياب الآخر، فكل ما يرد في القصيدة من تفاصيل تتجمع لتوحي لنا دون إفصاح أن مدينة السندباد هذه لم تعد مدينة هارون الرشيد العظيمة التي كان السندباد يعيش فيها بعزة وكرامة، يغيب عنها وهو يحمل شوقها بين الضلوع.
ومن الواضح أن الشاعر كان على وعي بأن الإفصاح لا لزوم له في مثل هذه الحالة؛ لأن حكايات السندباد نفسها معروفة لدى القراء شرقًا وغربًا، وفي هذه الحالة تبقى حكايات السندباد مصدرًا لهذه القصيدة، فجوة يملؤها القارئ نيابة عن الشاعر الذي ترك هذه المهمة له مساهمة منه في قراءة القصيدة، وهنا تدخل القصيدة فنيًا في نظرية الاستجابة من القارئ والتي أصبحت من أهم النظريات النقدية المعاصرة. علق ريموند وليامز على رواية قلب الظلام المعروفة، بأن كونراد قدم لنا صورة رائعة لطغيان الاستعمار، ولكن دون أن يذكر الاستعمار بالاسم مرة واحدة، وهكذا، فإن القارئ لمدينة السندباد على وعي أن بغداد التي هي عنوان القصيدة لم تعد مدينة الرحالة السعيد. ومن أجل أن يبرز التناقض بين المدينتين قديمًا وحديثًا يسأل الشاعر سؤاله الاستنكاري:
أهذه مدينتي؟ أهذه الطلول
خط عليها"عاشت الحياة"
من دم قتلاها، فلا إله
فيها، ولا ماء، ولا حقول؟
أهذه مدينتي؟ خناجر التتر
تغمد فوق بابها، وتلهث الفلاة
حول دروبها، ولا يزورها القمر؟