فهرس الكتاب
أهذه مدينتي أهذه الحفر
وهذه العظام؟ (31)
ويمكن لهذه القصيدة أن تأخذ عنوانًا من هذا التساؤل: ماذا حدث لمدينتي! لكن العنوان الحالي يبقى أسلم لحياة الشاعر؛ لأنه أقل وضوحًا في إشارته إلى الواقع، فمجرد ذكر اسم السندباد كعنوان ينقل القارئ للقصيدة، إلى الزمن البعيد ويبعده زمنيًا بطريقة وهمية عن الواقع الحقيقي للقصيدة، وهو الحاضر، وبهذا يوفر السندباد غطاء للشاعر مثلما وفر طائر الرخ غطاء للسندباد.
وعودة إلى صورة الآخر الغائب كمرتكز فني تقوم عليه القصيدة. هذا الغائب، هو قناع الحياة الاجتماعي الذي يشمل حياة الأفراد والجماعات في حكايات السندباد. الواقع الذي يشير إليه ريمون دوليامز بعبارته الشهيرة"نمط الحياة الشامل لنواحيها المختلفة"، هذا النمط الذي يعد الآخر الغائب أصبح في الحاضر حالة يرثى لها.
ويمكننا أيضًا أن نفسر الآخر الغائب بعبارة اليوت المعروفة، وهي المعادل الموضوعي، إذ إن الإثارة التي تولدها الصور المختلفة لموتيف السندباد تعادل في تأثرها مشاعر الشاعر. أي أن مغزى القصيدة يتمثل في الشرخ الذي يصيب إيقاع الجماعة التي كان ينعم بها السندباد قديمًا.
هذا الشرخ هو الذي أصبح علامة فاصلة بين المحاولات الثلاثة التي سبق ذكرها، والمحاولات التي بدأت بمحاولة السياب.
فسندباد عفلق مثلًا، يترك هذا العالم كمسيح مصلوب من أجل سعادة البشرية فيما بعد، ومدينة العذاب عند سرور تهدم في النهاية، وتنشأ مكانها مدينة صامدة تتزواج فيها الأجيال الشابة وتغني حتى مطلع الفجر. أما سندباد حاوي، فيعود وفي فمه بشارة الحياة حاملة نبوءة موسم الخصب والحياة، وعلى عكس من كل ذلك، تبدأ مدينة السندباد عند السياب مصلوبة وتظل كذلك تعوم في العويل:
ويهلك المسيح قبل العازر،
دعوه يرقد،
دعوه فالمسيح ما دعاه!
ما تبتغون! لحمه المقدد
يباع في مدينة الخطاه،
مدينة الحبال والدماء والخمور،
مدينة الرصاص والصخور! (29)