فهرس الكتاب
ما يقوله السندباد هنا، هو أبلغ وصف كموتيف السندباد الذي شاع شعرًا ونثرًا عند الكتاب العرب قبل نجيب محفوظ، ويشكل هذا الوصف المقتضب نافذة على حكايات السندباد، وهو البعد الجديد الذي دخل في صورة السندباد. ومن هذا الموتيف تنبع جدلية الواقعية السحرية التي تقوم على تداخل الواقع والخيال، بل وتلاحمهما، ومن هذا التلاحم تولد صورة السندباد المأساوية للواقع الحاضر من رحم الملهاة لحكايات السندباد القديمة. وهكذا نجد أن حكم السندباد التي يستقيها من تجاربه (وليس المقصود هنا عدد هذه التجارب وسنواتها الطويلة التي يمكن أن تؤهل المرء لأن يصبح حكيمًا) هي التي تؤثر في شهريار وتساعده على التحرر من الماضي وأوهامه. فشهريار على وعي أن حكايات شهرزاد وحكايات السندباد (وباعتراف شهرزاد نفسها) تنبع من مصدر واحد. ولكن الفرق كبير عندما يدرك شهريار إن حكايات شهرزاد من الماضي جعلته نفسه وبطريقة غير مباشرة يرضى عن ماضيه نفسه أو يسكت عنه على الأقل. أما حكايات السندباد، هي أكثر من مجرد حكايات خلص منها إلى حكم وعبر أيقظت شهريار، وجعلته يثور على ماضيه، وينقلب على شهرزاد التي كانت السبب في توقفه عند الماضي طيلة سردها للماضي وممارسة سلطان السرد القصصي عليه.
وأرجو ألا يفهم هنا أن محفوظ يقف موقفًا نقديًا من الماضي، وإيجابيًا من التحرر منه، بل إنه يصور الحيرة والضياع والخسارة في جميع الأحوال ولا يستشفي منظورًا بعينه، فصحوة شهريار لا تؤدي إلى نتيجة، بل إنها صحوة تأتي بعد نكسة تتلوها نكسة أخرى. وفي اعتقادي أن"السندباد"وهو الجزء الرئيسي من الخاتمة يتبعها"البكاءون"المكمّلة للسندباد والتي هي أشبه بتعقيب عليه يمثّل صورة صادقة جادّة معقّدة لذلك الواقع السياسي الممتدّ بين عام 1967 و 1979. ومهما اختلطت الألوان في هذه الصورة يظلّ اللون الذي يوحّد بين الخيال والحقيقة هو السائد على بقية الألوان.