فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 234

وأي قراءة متأنية لجزئي الخاتمة الأول والثاني، تشدّنا على الفور إلى الواقع السياسي، إلى الحادثين المشؤومين، هزيمة حزيران، والمعاهدة المذكورة، وكلاهما يشكّل رجع الصدى لذلك الواقع. فعند قراءة الجزء الأول نتذكّر على الفور جموع الأمّة العربية وهي تتلقى النبأ الفاجع بتنحّي الحاكم الذي كان أمل الأمّة العربية على مدى خمسة عشر عامًا ونيف، ويتذكّر جيل الستينيات الملايين من هذه الأمة وهي تستقبل النبأ بالبكاء والحزن البالغين.

والصورة الفنيّة الموازية التي تعبّر عن وضع الحاكم المقهور وشعبه الحزين، هي صورة شهريار الذي تنتهي به المقادير إلى الهزيمة والقهر ويجد نفسه مثل سندباد سرور، أمام اختيارين لا ثالث لهما:

"عزل نفسه مقهورًا أمام ثورة قلبه في وقت تناسى فيه شعبه آثامه القديمة الماضية.. اقتضت تربيته زمنًا غير قصير.. لم يقدم على الخطوة الحاسمة حتى استفحل في باطنه الخوف، وهيمنت رغبته في الخلاص.. غادر قصره بالليل، عليه عباءة، وبيده عصًا مستسلمًا للمقادير.. أمامه سبيل للسياحة، كما فعل السندباد، وسبيل إلى دار البلخي، وثمّة مهلة للتدبّر.. قادته قدماه إلى الخلاء قريبًا من اللسان الأخضر، فترامى إلى أذنيه صوت غريب.. أنصت تحت هلال في السماء الصافية، فأيقن من أنه يسمع نحيبًا جماعيًا!.. قوم يبكون في هذا الخلاء؟ مضى نحو مصدر الصوت في حذر حتى استقرّ وراء نخلة.." (263) .

أما واقع الجموع الباكية، فتعبّر عنه صورة الجموع التي تصوّر نفس الحالة تقريبًا عندما يشير عليها أحد أفرادها بالعودة إلى دار العذاب، مثل عودة سندباد سرور إلى الجحيم، إلى مدينة العذاب، وهو يعرض عن اختيار السياحة السندبادية رافضًا الهروب من الواقع، ويختار الصمود في وجه الواقع:

"... وقبيل الفجر قام أحدهم وقال:"

آن لنا أن نرجع إلى دار العذاب!

فكفّوا عن البكاء وقاموا وهم يتواعدون على اللقاء غدًا ثم مضوا نحو المدينة كالأشباح..." (263) ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت