فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 234

"اقترب من الصخرة.. دار حولها دورة كاملة.. ماهي إلا صخرة في صورة قبّة غير مستوية، يمرّ بها العابر فلا تثير اهتمامه.. دنا منها، فتحسّس سطحها، فوجده خشنًا.. هوى عليه بقبضته مرّات، ثم همّ بالتحوّل عنها عندما صدر منها إليه صوت قويّ متحرّك.. تكشف أسفلها من مدخل مقوّس الهامة، فتراجع مرتعدًا من الخوف؛ لأنّه رأى نورًا هادئًا عذبًا ونسمت رائحة زكية مخدّرة.. زايله الخوف إن هذا الباب هو ما تاق الرجال إلى فتحه وما أحرقوا الدموع من أجله.. اقترب منه، أدخل رأسه متطلّعًا، فجذبته فتنة طاغية.. ما كا ن يدخل حتّى أغلق الباب وراءه، ولكن فتنة المكان استحوذت عليه كلّه.. منير بلا ضوء.. عذب المناخ بلا نافذة، متضوّع بشذا طيّب لا حديقة.. أرضه بيضاء ناصعة قدّت من معدن مجهول، جدرانه زمرديّة، سقفه مزركش بمهرجان من الألوان المتناغمة، في نهاية بوابة متلألئة كأنّما طعّمت بالمّاس، مضى بلا تردّد متناسيًا ما وراءه، ظنّ أنّه سيبلغ البوابة في دقيقة أو دقيقتين، ولكنه مشى طويلًا والممرّ باق على حاله لا يقصر، والفتنة من الجوانب تتدفّق.. أشفق من أن يكون طريقًا بلا نهاية، لكنّه لم يفكّر في الرجوع ولا في التوقّف، وطاب له المشي العقيم إلى الأبد.. ولمّا أوشك أن ينسى أن لمشيه غاية، وجد نفسه يقترب من بركة صافية تقوم فيما وراءها مرآة مصقولة، وسمع صوتًا يقول:"

-افعل ما بدا لك..

سرعان ما لبّى رغائبه الطارئة، فخلع ملابسه وغاص في الماء.. دلّكته نبضات الماء بأنامل ملائكية وتسللت إلى باطنه أيضًا.. خرج من الماء، فوقف أمام المرآة، فرأى نفسه جديدًا في إهاب فتى أمرد، قويّ الجسم تناسقة، بوجه مليح ينضح فتوّة وشبابًا، وشعر أسود مفروق وقد طرّ بالكاد شاربه.. همس:

-سبحان القادر على كل شيء..

والتفت إلى ملابسه، فوجد بديلها سروالًا من الحرير الدمشقي، وعباءة بغدادية، وعمامة خراسانية، ونعلًا مصريًا، فارتداها، فصار آية تسرّ الناظرين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت