فهرس الكتاب
لابُدَّ أن شهريار أدرك وهو يستمع إلى الحكايات، أنّ الحقيقة ليست ثابتة ثبوت موعد اقتراب الليلة التي تنقضي بضحية، بل إنها متغيّرة تغيّر حالاتنا الشعورية من حكاية إلى حكاية، أي أنّ الوعي بالحقيقة ليس شيئًا جامدًا، بل إنّه في حالة تغيّر مستمر حتى في داخل الشخص الواحد. ويقول بيرجسون إنّ الوجود عند الكيان الواعي هو التغيير، وأنّ التغيير يعني النضج، وأنّ النضج يعني الاستمرار في خلق الذات إلى مالا نهاية. وهكذا يدخل شهريار في ديمومة التغيّر التي تحيد به عن روتين البطش الجامد الذي كان ناقوسه يدقّ بعد انقضاء كل ليلة. أي أنّ حياته التي كانت موزّعة على وحدات من الليالي، أصبحت ليالي متداخلة أشبه بالفترة الزمنية (duration) التي شبّهها بيرجسون بكرة الثلج التي تتدحرج من عل، فما أن تهبط إلى الوادي حتى تكبر في حجمها بعد أن استمرت في التقاط الثلج عبر تدحرجها. والتشبيه هنا كناية عن تداخل الماضي بالحاضر، وعدم النظر إليهما كوحدتين زمنيتين منفصلتين، إذ يصبح الزمن في هذه الحالة وعيًا حاضرًا تذوب فيه حدود الزمن التقليدي.