فهرس الكتاب
إنّ المشكلة الرئيسية التي كان شهريار يواجهها قبل تعرّضه لتأثير الحكايات، هي أنّ خياله كان يبدو معطّلًا، اللهمّ إلاّ من ذكرى الخيانة الزوجية التي لا تدخل طبعًا في سياق الخيال الإيجابي الذي يمكن أن يجلب البهجة والسرور إلى حياة الإنسان، إذ إنّ خياله بدأ عاجزًا عن استرجاع ذكرى جميلة في حياته الزوجية، أو أي ذكرى في حياته الماضية. ومن الطبيعي في هذه الحالة، أن يتعطّل وعيه بالحاضر الذي يمكن أن يعوّضه عن حدث الخيانة الزوجية، أو يصدّ استرجاعها مثلًا. يقول بروست في هذا الصدد: إنّه في كثير من الأحيان كان يصاب بخيبة الأمل في واقع الحياة التي يعيشها ويراقبها، خصوصًا وهو يرى أن خياله، وهو الأداة الوحيدة التي من خلالها كان بإمكانه أن يستمتع بالحياة ليس طوع إرادته؛ لأنّه بطبيعة الحال لا يأتيه إلاّ بما هو مفقود في واقعه، أي أنّه ليس من السهل علينا أن نطوّع خيالنا كأن يحضر إلى حاضرنا ماهو في ماضينا وقتما نشاء، وهذا ما يشكّل إحباطًا لابُدَّ أنّ الرومنتيكيين عانوا منه أكثر من غيرهم. لكن بروست يلاحظ أنّ الحاضر والوعي به يسدّ هذا الفراغ، إذ يلاحظ أنّ عددًا هائلًا من المشاعر والذكريات تتولّد من مجرّد الإحساس بالواقع، وأنّ الخيال يمكن أن يولد من الحاضر وفيه، وأنّه ليس قصرًا على الماضي الذي يفصله الحاضر عنّا، والذي نرغب أحيانا في أن نعبره عن طريق الخيال الذي عاش الرومنتيكيون في ظلّه وتحت رحمته. يعتقد بروست أنّ خيالنا قادر على أن يفعّل أشياء كثيرة في وجودنا الحاضر من خلال الوصول إلى كنهها بواسطة الحواس. ويلاحظ بروست أنّ الحواس بمفردها غير قادرة على إيصالنا لجوهر الأشياء، وأنّ العقل بمفرده يعجز عن دراسة ماضي الأِشياء في جوهرها، وأنّه لا يستطيع أن يكوّن مستقبلًا متماسكًا يتعدّى شذرات من الماضي والحاضر تظلّ معزولة عن الواقع، ولا تناسب غير المنتفع الذي يرى فيها خطة مناسبة فقط لقصد إنساني محدود الأفق.