فهرس الكتاب
وهكذا يمكن أن نصف حياة شهريار قبل شهرزاد بأنها محاصرة بثالوث زمني عقيم، وما خطّة الانتقام التي رسمها إلاّ شذرة تشكّلت من منطق عقيم جعلها تتحرّك عبر وحدات زمنية مغلقة، نفعية وهمية.
يرى بروست أنّه لابدّ من خلاص من مثل هذا الزمن المتردّي المقطّع الأوصال، عندما لا يسعف الخيال صاحبه دائما في نقل الماضي المبهج إلى الحاضر، وعندما لا يفي العقل إلاّ بنقل شرذمة من الماضي إلى الحاضر يوهم صاحبها أنّ فيها الخلاص، وعندما لا تقدر الحواس على غير ظاهر الأشياء تصويرًا. الخلاص، كما يراه بروست هو في تفعيل الحالة الراهنة من الوعي بواسطة التفاعل بين الخيال والحواس، إذ تنطلق لحظة (duration) من عقال الزمن فتخرج من تسلسلها الفيزيائي بطريقة تلقائية، فتصبح محمّلة بالمشاعر المكثّفة، لا تعرف ماضيًا، ولا حاضرًا، كما أنها لا تعرف مستقبلًا بالتأكيد. يضرب بروست مثلًا على صوت ملعقة يتراءى إلى مسامعنا أثر رنينه فوق طبق، أو عبق نألفه يتسرّب إلى حاسّة الشمّ عندنا. هنا تتكوّن في وعينا تلقائيًا حالة شعورية تمتدّ بين الماضي والحاضر، لكنها غير محصورة في زمن اللحظة الحاضرة على الرغم من أنّها تكوّنت في الزمن الحاضر، وهي بطبيعة تكوينها الجديد حاضر وليس ماضيًا، والذي يحرّرها من بُعْدي الزمن التقليديين، هو الفجائية التي تجعلها تنفذ إلى جوهر البقاء الذي يبدو عادة مخفيًا عنّا. ومع هذه اللحظة تنطلق ذاتنا الحقيقية التي كانت ولحين هذه اللحظة، تبدو ميتة من ناحية، إلى أن دبّت فيها الحياة من جديد، وكأنّها تلقّت الزّاد السماوي الذي أحضر لها من خارج الزمن. (6) ويمكننا القول هنا مقارنة مع نظرة بروست إلى الزمن أنّ شهريار يتغيّر في موقفه من البطش عندما يحيا في وعيه ما كان يبدو له ميتًا، وذلك من خلال تأثير الحكايات الذي يسمو به فوق أبعاد الزمن ويحمله على أجنحة اللحظة التي لا تعرف القيود.