فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 234

يكوّن التلقّي إشكالية خاصة في ألف ليلة وليلة؛ لأنّه لا يبدأ بالحميمية التي يبدأ السرد الشفهي بها سواء كان الراوي على معرفة بالجمهور المتلقّي أم كان غريبًا عنه، المهم أنّ قرب الجمهور المتلقّي مكانًا وزمانًا (هنا زمن السرد) هو الذي يؤسّس الحميمية بتلقائية طبيعية. ومن الواضح أنّ مهمة شهرزاد في السرد لها إشكاليتها الخاصة منذ البداية؛ لأنّ السرد بادئ ذي بدء موجّه إلى خصم يحتاج إلى مداراة ومسايسة وتمهيد، كي ينكسر حاجز الشكّ أولًا قبل بناء الثقة. وفي العادة يكون متلهفًا لسماع السرد من الراوي، ويقبل عليه بنيّة حسنة، وهو يتوقّع سلفًا أنّ في السرد الذي يتلهّف لسماعه شيئًا ما يمتّعه، أو يطربه، أو يغيّره، وما على الراوي إلاّ أن يروي ليتلقّف المستمع روايته. أمّا أن يبدأ في جوّ مشحون بالحقد والكراهية والظلم والرعب الذي حلّ بأهل البلد على يد شهريار، فهذا أمر لا يقدر عليه إلاّ من أوتي موهبة البداية مثل شهرزاد. تبدأ الليلة الأولى بقول شهرزاد:"زعموا أيها الملك السعيد وصاحب الرأي الرشيد.."، أمّا الليلة الثانية، فتبدؤها شهرزاد بالقول:"زعموا أيها الملك السعيد صاحب الرأي السديد..."، وتبدأ الليلة الخامسة"بلغني أيها الملك العزيز..."، وتتوالى البدايات هكذا زيادة طفيفة، أو نقصانًا لا يزيد ولا يُنقص من البداية كالذي نلحظه مؤطرًا في عدد من الليالي التي تستهلها شهرزاد بقولها:"بلغني أيها الملك السعيد، الموقف الرشيد، صاحب الرأي السديد والفعل الجميل الحميد".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت