فهرس الكتاب
وأبرز المفارقات في أمر التواصل بين الراوي والمروي عليه في ألف ليلة وليلة هي أنّ الميّزة التي يتمتّع بها السرد في الحكاية المحكيّة نتيجة القرب المكاني والزماني، والتي من شأنها عادةً توثيق الأولى إلغاء الوضع الذي وجدت شهريار عليه، نظرًا للحاجة الماسّة إلى تبديله. من هنا تبرز أهمية الكلمة الأولى في افتتاحية شهرزاد التي تدعوه بأدب جمّ أن يخرج من الزمن والحدث اللذين كبّلاه طيلة المدة، وأن يدخل مدخل صدق في زمن وحدث جديدين هما في واقع الأمر أزمنة وأحداث متنوّعة غير محدودة تتوالى في الحكايات المختلفة، تتعدّى في آفاقها أفق الزمن والحدث القاتلين حدّيهما ومحدوديتهما. وحياديّة هذه الأزمنة والأحداث يكوّن مصدر جذب أساسي يُدخل شهريار في دائرة السحر. وهكذا يؤتي الحكي ثماره، ويصبح شهريار قادرًا على التمتّع بأهم ميّزة السرد وهي التأمل، وأكثر من ذلك، فإنّ حكايات شهرزاد ليست من النوع الذي هو للاستهلاك، إذ إنها تعلّق انتباه شهريار إلى ما لا نهاية، وهي تنساب في زمن اللانهاية، وتقدّم له النصّ ليكتشفه هو بنفسه، وتَمْثُل أمامه شخصيات الحكايات، وهي تنبض بالحياة ليحاكيها ويتأمّلها بوعي جديد يستبدل شبح الموت بصورة الحياة.