فهرس الكتاب
في النهاية يعود محسن إلى رشده مثل ما يحصل مع بب وتعود الروح التي تخليا عنها ردحًا من الزمن إلى صاحبها ليشق طريقه من جديد بروح استعادها من جديد (4) .
لكن عودة الروح تحتفظ بمحلية تطغى على كل أثر آخر، فمهما تقاربت المتوازيات تظل رواية توفيق الحكيم مصرية في صميمها، وإن كان توفيق الحكيم قد اختار هذا الجنس الأدبي من السيرة الذاتية الأدبية لروايته؛ فلأنه جنس أدبي أغرى العديد من كتّاب الرواية من قبله. ومن الواضح أنّ المحلية المصرية في النهاية هي التي تتحكّم في روح الرواية.
وهنالك ما يبرر الاختلاف بين الروايتين لأنهما نتاج حضارتين مختلفتين، لابدّ أنّ توفيق الحكيم كان على وعي بعمق هذا الاختلاف وكان حكيمًا في اختيار الواقع المحلي كمنطلق رئيسي لمبادرته هذه. فالهوة السحيقة التي تفصل الريف عن المدينة في الآمال العظام أعقد بكثير منها في عودة الروح، تلك الهوة التي أوجدتها الثورة الصناعية والتي أوجدت معها فقرأ مدقعًا وغنى فاحشًا لا يمكن التسوية بينهما. ومن الانطباعات الرئيسية التي تخلّفها الآمال العظام عند القارئ هي أنّ الفقير لا يمكن أن يحلق بالغني إلاّ في الخيال، ومن ثمّ نشط خيال بب وأصبح السبيل الوحيد الذي يمكن أن يوصله إلى بوابة أهل اليسر، ويحرّره من ملل الحياة الريفية التي لا يمكن لصاحب خيال مثله تحمّلها كقدر محتوم. ولكن سرعان ما جرّه خياله إلى التورّط في غرام استيلا، ومن هنا ينشأ التعقيد والتحوّل من عاطفة إلى أخرى، وهو ما لا نجد له مثيلًا في عودة الروح.