فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 234

إنّ غياب الصراع بين الفرد والمجتمع الذي يؤدّي إلى وقوع الفرد ضحية للمجتمع كما هي الحال في الآمال العظام هو الذي يحرم عودة الروح من صراع مماثل يذهب بالروح مذاهب شتّى في خضمّ هذا الصراع. من الواضح أنّ عودة الروح تفتقد إلى الصراع الذي يخرج بالمحلية من واقعها المسطح إلى آفاق إنسانية أبعد مدى. لهذا السبب يظل محسن فتىً بسيطًا لا يتعرّض لصراع مع نفسه ولا مع خصمه المجتمع، ولا يمرّ بتجربة بب التي تجعله يتألّم بسبب إعراضه عن أصله الريفي وهويته الأصلية في سبيل الحصول على هوية جديدة، هوية الجنتلمان التي يمكن أن ترضي استيلا، أمله الوحيد الذي يطمح إليه في الحياة. وهو لا يفيق إلى رشده مثل بب بعد عذاب أليم يترك آثارًا في نفسه إلى الأبد نتيجة وهم أوقعه المجتمع فيه؛ لأنّه نفسه كان على استعداد أن يقع فيه. إذ أنّ ديكنز لا يبرئ الشخصية من مساهمتها في مصيرها ولم يحصر الفعل في خارج الشخصية، وربما كان هذا سبب في بقاء شخصية بب خالدة في الأذهان إلى يومنا هذا؛ لأنّ ديكنز تطوّر بالرواية في الآمال العظام من التركيز على الحدث إلى الاهتمام بالشخصية وحياتها الداخلية.

جميع شخصيات عودة الروح بسيطة مسطّحة لا صراع داخلها ولا خارجها، حتى زنوبة التي تثير الشغب في الرواية لا تتصارع في واقع الأمر مع أحد ولا مع طرف، وكل ما في الأمر أنّ مظهرها القبيح يشكّل عائقًا في تكوين علاقة مع الجنس الآخر يمكن أن تؤدّي في النهاية إلى ارتباط عائلي هي نفسها تصبو إليه. لهذا نجدها تلجأ إلى وسائل الشعوذة كلّما أدركت أنّ فرصة تلوح في الأفق أو على وشك أن تكون كذلك. فمصطفى مثلًا الذي أقامت الدنيا على رأسه لا يعرف حتى عن رغبتها فيه، وسنيه التي اتّهمتها باختطاف مصطفى منها في المرة الأولى لم تكن تعلم شيئًا عن الموضوع، وهكذا تجري حوادث الرواية والكل في غفلة أشبه بغفلة الدراما الكلاسيكية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت