فهرس الكتاب
وغياب الصراع يؤدّي بالضرورة إلى غياب الحوار أو تقليص دوره على الأقل، وهذا ما يحدث في عودة الروح، إذ إنّ كل ما يبدو فيها من حوار لا يزيد عن مداعبات لا تعمّق خلافًا ولا تسبر غورًا سواءً ما كان بين أفراد الشعب أنفسهم بما فيهم زنّوبة أم ما بين محسن وبقية أفراد الشعب، من جهة، أو ما بين محسن ووالدته التركية الأصل، إذ ليس من المعقول أن ينقلب صبي ضد والدته لأنّها من أصل تركي، أو من أي أصل غير مصري، ولا يخفى على القارئ أنّ سلوك الهانم والدة محسن يأتي بدافع من الغيرة على مكانة زوجها الاجتماعية والاهتمام الزائد بها، وتصرّفها مع الفلاحين بطريقة تبدو مهينة في نظر محسن هو تصرّف مألوف، ومنبعه النظرة الدونيّة التي يحملها ابن المدينة إلى ابن الريف والتي تشيعها التركيبة الاجتماعية الشاملة. من المشاهد التي يذكرها القارئ بشغف في الآمال العظام مشهد بب وهو يشعر بخجل وإحراج من زيارة جولد في لندن عندما عَدّ نفسه متوهّمًا من أصحاب المدينة بعد أن هجر الريف وتوهّم أنّه يودّعه إلى الأبد، وقد وصل الإحراج عند بب أنّه صمّم على أن يعلّم جو ا لقراءة والكتابة ليستطيع التحدث مع أهل المدينة من أصحابه مثل هيربرت ابن لندن. أمّا المشهد المماثل الآخر في الآمال العظام فهو إحجام بب عن استقبال ماجوتش بسبب شكله وملابسه الرثّة التي ترتبط بابن الريف، والمفارقة هنا أنّ بب لم يكن على علم أنّ هذا الشخص الذي يخجل من مقابلته في لندن الآن هو الشخص نفسه الذي عطف عليه وأحبّه حبًّا صادقًا عندما كان طفلًا وسرق له الطعام ليسدّ رمقه، وأهم من ذلك أنّ ماجوتش هو نفسه الشخص الذي بعث إليه بالمال الذي جمعه من عرق جبينه، وهو مشرّد في أستراليا، وتسلّمه بب من خلال المحامي جاجرز لكي يتعلّم ويتنعّم في لندن، وهو الآن يرفض الإحسان بل يرفض المحسن إليه بسبب تعالٍ مزعوم اكتسبه بب من خلال تحوّل حاله من ابن ريف إلى ابن مدينة.