فهرس الكتاب
من المعروف أنَّ ديكنز ختم روايته في المرّة الأولى بخاتمة محزنة تمشيًّا مع واقع الحياة التي تمتدّ عبر الزمن وتكون النتيجة ألاَّ يبقى فيها الإنسان على حال البراءة عندما كان يبرز في الإنسان الأمل المنشود في استعادة البراءة، ولكنّه أمل يهيمن عليه الحزن؛ لأنَّ الماضي لا يمكن أن يصبح حاضرًا. ولعلّ السبب الرئيسي الذي دفع ديكنز إلى اختيار هذا السبيل هو رغبته في تقديم اتجاه مخالف تمامًا للخاتمة السّارّة التي شاعت في عهده، تلك الخاتمة التي أصبحت معروفة بخاتمة الأجراس التي تدق في الكنيسة إعلانًا عن موعد الزفاف. كيف يختم الراوي روايته بخاتمة سعيدة. هذا ما كان يسيطر على الغالبية العظمى من كتّاب الرواية في القرن التاسع عشر إلى أنّ جاء القرن العشرون وأفتن الروائيون بالخاتمة المفتوحة.
تذكّرنا نهاية عودة الروح على الفور بتلك النهايات السعيدة، بل إنَّ نهايتها واضحة الاتجاه، فهي تحضر لدق طبول الفرح بزفاف مصطفى وسنيه، وفرح الشعب بزعيمه.
لا يعني هذا أنَّ توفيق الحكيم غير قادر على خاتمة تشبه خاتمة ديكنز الأخرى، فلو ختم تفويق الحكيم مثلًا روايته بالفصل الحادي عشر من الجزء الثاني لحقّق المراد الذي ربّما يفوق في فنيته ما استقرّ عليه في النهاية. هذا المشهد في هذا الفصل قطعة فنيّة رائعة تصلح في اعتقادي أن تكون خاتمة الرواية. ففيها شاعرية تعبّر أصدق تعبير عن إحساس محسن المرهف، وفي الوقت ذاته فيها واقعية المكان التي تعادل رومانسية محسن، ومن تداخل رومانسية الشخصية وواقعية المكان تبرز الروح وهي تعود إلى صاحبها في المكان و الزمان المناسبين، هذا هو المشهد:"لم يكن في رأس محسن غير شيء واحد: هو الحياة التي أصبحت فارغة تمامًا... كيف يملؤها؟... والمستقبل الفسيح والأيام الطويلة الآتية بأي صبر يستطيع اجتيازها؟.... وسمع في نفسه هازئًا يجيبه في سخرية:"
ـ وقبل أن تحب ماذا كنت تصنع؟.. عد كما كنت قبلًا...