فهرس الكتاب
ويمكن أن نذكر في هذا السياق أنَّ توجَّه الحكيم إلى إحياء تراث مصر القديمة يتخطى في حدوده الرغبة العامة في استثمار الفرعونية وأمجادها، تلك الرغبة التي كانت مهيمنة على بعض المفكّرين المصريين المعاصرين لتوفيق الحكيم. إذ لابُدَّ أنَّ توفيق الحكيم كان على وعي بتوظيف الميثولوجيا في الرواية وإبراز أهميتها الفكرية والفنية عند علماء الأنثروبولوجيا. وأبرز مثل على ذلك يوليسيز التي يشار إليها على أنَّها ملحمة القرن العشرين. استطاع جويس بقدرة فنية هائلة أن يخلق من واقع الحياة العادي في دبلن متوازيات لها في ملحمة هومر ومن التفاعل والتداخل بين مرجعية حوادث وشخصيات وقصص ملحمة هومر من جهة، وحوادث أهل دبلن اليومية وشخصياتها العادية وقصصها المألوفة من جهة أخرى تنتج المفارقة الغنية التي تعمق الشعور بالعبث وخيبة الأمل في أعماق الشخصيات الرئيسة وهي (مع متوازياتها) بلوم (أوديسيوس باليوناينة ومقابلة يوليسيز باللاتينية) ، مولى (بنيلوب) ، وابنهما ستيفن الشاعر (تليماكوس) . وتتجلّى عبقرية جويس في اختزال الزمن الذي استغرقته حوادث الأوديسي عبر سنوات طويلة إلى يوم قمري (48 ساعة) .
لابُدَّ أنَّ توفيق الحكيم إذن كان على وعي بمخزون الميثولوجيا الفنّي الذي استغلّه كبار الروائيين الأوروبيين خصوصًا في سنوات العشرينات التي سبقت كتابة عودة الروح ولابُدَّ وأنَّه شعر أنَّ الميثولوجيا المصرية مثل غيرها، قادرة على العطاء ورفد الرواية بروافد جديدة، هذا ما يقوله توفيق الحكيم في مقابلة له مع عبد الفتاح الديري:
"لم نزل في عهد لم يظهر فيه بعد ـ إلاَّ نادرًا ـ تلك الطبقة من كبار النقّاد الذين يعكفون على أدب بلادهم، كما يفعل النقّاد في أدب الأوروبيين، ليخرجوا منه الاتجاهات ويخلقوا النظريات، ويصلوا الأدب العربي الحديث بأرضه وماضيه وما يحيط به من مؤثرات وحضارات حتى يصبح أدبًا مدروسًا مبحوثًا كالآداب الكبرى."