فهرس الكتاب
لكن عودة الروح ستظلّ رواية تحتفظ بما سمّاه ي.م. فورستر في معرض الحديث عن عناصر الرواية بالعمود الفقري للرواية منبِّهًا إلى أنَّ السرد أمر ضروري بالرغم من المبرِّرات التي يجب أن تدعونا لتقديم الشخصية على عبقرية السرد والحديث. ولمّا كان توفيق الحكيم يمتلك زمام السرد استطاع أن يقدّم لنا قصة شيّقة تجذب القارئ إليها بيسر، وتجعله يتعلّق بها من أولها إلى آخرها لمجرّد السرد الناجح الذي هو العنصر الأساسي في بناء الرواية. وتجدر الإشارة هنا إلى أنَّ توفيق الحكيم كان على وعي صادق بأنَّ الرواية تختلف عن سائر الأجناس الأدبية الأخرى في أنَّها أقل منها حاجة إلى السيطرة الفنيّة اللازمة لإبداع الشكل، تلك السيطرة الذهنية التي تتحكم في الخطاب الفني. أيقن توفيق الحكيم أنَّ الرواية بادئ ذي بدء تحوّل مباشرة من واقع الحياة إلى السرد أو الدراما مثلًا. ولو اخترنا تعريفًا بسيطًا للرواية لربما قلنا إنَّها انتقال مباشر أو مفاجئ من الحياة التي نعيشها، إلى أن الرواية التي نقرؤها أو نسمعها تروى علينا. هذا الانتقال الميّسر هو الذي جعل العديد من النقّاد ينعتون عودة الروح بالواقعية. نشعر مثلًا ونحن نقرأ ما يروى علينا من زيارة محسن لدمنهور أنَّ الراوي يعرف الشيء الكثير عن الفلاحين وأحوال معيشتهم وقصصهم التي لابُدَّ أنّه سمعها أكثر من مرّة قبل هذه الزيارة، لكنّه رأى هذه المرّة أن يراهم من على بعد وكأنَّه زائر غريب لا يراهم ويسمعهم فقط، بل يروي حياتهم وينقلهم قصة. يعلّق جون فورستر (أول مؤرّخ لحياة ديكنز) ، على مقالات ديكنز التي جمعها في مؤلّف تحت عنوان لمحات تصويرية لكاتبها بوز (وهو اسم مستعار استخدمه ديكنز في عديد من كتاباته) Sketches by Boz أنَّ ديكنز يرسم الأشياء حرفيًّا كما هي.... وهي صورة للحياة اليومية في لندن بحسنها وقبحها، بمرَّها وحلوها، بفكاهتها ومتعتها...