فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 234

كلّها يرسمها ديكنز إلينا بواقع مطلق لهذه الأشياء" (10) ."

هذا ما فعله توفيق الحكيم في تصويره، إذ نقل واقع الصورة الحرفية وحوّلها إلى واقع مطلق، وبقي الواقعان جنبًا إلى جنب شاهدين على أنَّ الخيال واللغة هما اللذان يساعدان على خلق واقع جديد مطلق، لا يمحو الواقع الحرفي. لهذا نجد الرواية توصف أحيانًا أنها واقعية وأحيانًا أخرى أنها رومنتيكية، ويقارب هذا الأمر من الوصف الوظيفي لاستعمال اللغة في تركيبها السطحي والعميق.

يقدّم لنا توفيق الحكيم واقعًا أشبه بدليل حاضر يدلّ على شيء غائب تصوّره الفلاح المصري الكادح الذي يعرفه هو امتداد لصورة للفلاح المصري منذ أقدم العصور، ولكن دون تجسيم لهذا التجريد. وتنسحب هذه الممارسة على الأسطورة أيضًا. وأبرز مثلين على غياب هذا التجسير بين الحاضر والماضي صورة سنيّة وايزيس:"وعادت فالتفتت إلى"البيانو"تمر بأناملها على مفاتيحه، ووقف"محسن"خلفها. وقد هدأ اضطرابه قليلًا واطمأنَّ، إذ هي الآن لا تستطيع رؤيته في موقفه هذا، وعندئذٍ أخذ يختلس النظر إليها اختلاسًا، ولأول مرّة فطن إلى أن شعرها مقصوص على أحدث طراز، وذهبت عيناه تتأمل نحرًا عاجيًا غاية في البياض، يعلوه رأس جميل مستدير الشعر غاية في السواد يلمع لمعانًا أخاذًا، كأنَّه قمر من الأبنوس، وخطرت"لمحسن"صورة يراها دائمًا في الكتاب المقرّر هذا العام للتاريخ المصري القديم، صورة يحبها كثيرًا، وطالما قضى شطرًا من حصص التاريخ يطيل إليها النظر وهو سابح في عالم الأحلام، ولا ينزله منه إلى الأرض إلاَّ صوت المدرِّس وقد بدأ شرح الدرس، تلك صورة امرأة، شعرها مقصوص أيضًا.... وأسود لامع كذلك... ومستدير كالقمر الأبنوس:"إيزيس"!..." (ص122-123) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت