وما بعدها تفسيرًا للكلمات التي ابتلى الله بهن إبراهيم - عليه السلام -. وتكون الإمامة أول الابتلاءات أو الكلمات التي ابتلي بها. ثم تتابعت بقية الابتلاءات والأوامر. كبناء البيت وإعداده ثم الأمر بذبح ولده ... الخ.
(فأول ما ابتلي به إبراهيم أن أخبره الله تعالى بأنه جاعله للناس إمامًا. أي نبيًا ورسولًا يقتدي به الناس، لأن كل رسول قدوة يؤتم به، ومن هنا يكون الابتلاء، لأن كل من تصدى للناس يدعوهم ويأمرهم وينهاهم يبتلى ويؤذى. والنبي أول ما يوحى إليه بالنبوة، ثم يؤمر بدعوة الناس، وهي الرسالة، فيكون رسولًا، فقوله: {إني جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إمامًا} أي رسولًا يقتدى به، فعليك أن تبلغ وتدعو وتأمر وتنهى وتصبر على البلاء. فتكون الرسالة أول الابتلاء.
(وكل رسول إمام ولا بد. وإلا كيف كان رسولًا؟ وليس كل إمام رسولًا. فالإمامة وصف لازم للرسالة. وليست شيئًا خارجًا عنها حتى يصح القول بأن الرسول يمكن أن يكون إمامًا أو لا يكون. إذ بمجرد أن يكون الرجل رسولًا يكون إمامًا. لأن الإمامة من الأوصاف اللازمة للرسالة.
(وذلك كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا} (الأحزاب /46،45) . فإن الشاهد والمبشر والنذير والداعي والسراج المنير ليست مناصب مستقلة عن النبوة، وإنما هي أوصاف لازمة لكل رسول، فإذا كان النبي كذلك كان رسولًا ولا بد. فكذلك قوله تعالى: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إمامًا} . فيكون الرسول إمامًا وشاهدًا ومبشرًا ونذيرًا ... الخ. وكلها أوصاف وليست مصطلحات خاصة لمناصب مستقلة عن النبوة.
(ومنها أن الله تعالى لم يجعل إبراهيم - عليه السلام - خليفة أو حاكمًا متصرفًا في أمور الناس، وإنما جعله قدوة ونموذجًا للتأسي والاتباع