و (الإمام) من معانيه في مصطلح الإمامية الخليفة أو الحاكم المتصرف في أمور الناس بتعيين من الله، وليس القدوة المجرد عن ذلك، فلو كان مقصود الله تعالى بالإمامة ذلك، لما تخلف وعد الله لإبراهيم بها على هذا المعنى، ولصار إبراهيم خليفة وحاكمًا مطاعًا.
(والحاصل: أن الإمامة والخلافة شيئان مختلفان. ولذلك فرق الله تعالى بين داود وإبراهيم في اللفظ. فقال لداود - عليه السلام: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ} (ص/26) . بينما قال لإبراهيم: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إمامًا} لأن داود كان خليفة وحاكمًا متصرفًا. وإبراهيم لم يكن كذلك. وعلي لم يأت نص قرآني في خلافته كداود. ولا (إمامته) كإبراهيم!
(ومنها أن الذرية الذين طلب إبراهيم لهم الإمامة بقوله:(ومن ذريتي) صرح بمقصوده منهم بقوله: (من آمن منهم بالله واليوم الآخر) فهم مطلق المؤمنين، والإيمان وصف عام ليس خاصًا بـ (المعصومين) .
(وقد كرر إبراهيم اللفظ الدال على التبعيض - وهو الحرف(من) - في الموضعين، لأنه يعلم أن ذريته لا بد أن يكون بعضها -وليس جميعها- فاسقًا، فإنه حين طلب الإمامة لبعض ذريته طلب الرزق معها لهذا البعض، فقال: {وَإِذْ قَالَ إبراهيم رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنْ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} (البقرة/126) ، فبين الله له أن الرزق ليس خاصًا بالمؤمنين - كالإمامة - بل يعم المؤمن والكافر والظالم أو الفاسق، فقال: {وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا} .
(ومنها أن العهد المذكور في قوله تعالى: {لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} مبهم، فتفسيره بخصوص(الإمامة) المصطلح عليها يحتاج إلى دليل. فقد يكون هو مطلق ما يصح أن يكون به المؤمن