(وهذا يعني أن الإمامة تتجزأ. فتتسع وتضيق. فقد يكون الإنسان إمامًا في مسجد. أو إمامًا لمصر من الأمصار. أو يكون إمامًا للأمة. أو إمامًا للناس كإبراهيم - عليه السلام -. وهذا هو الذي حصل له. فإن أتباع الديانات السماوية الثلاث يتشرفون بالانتساب إليه، والاقتداء به. وهو أبو الأنبياء. حتى إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أوحى الله إليه: {أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفًا} (النحل/123) . وهذه الإمامة لم تتهيأ لأحد من الأنبياء سواه.
(إن بعض الأنبياء قد لا يكون إمامًا لغير أهله أو قومه. وبعضهم إمامته ليست كاملة من جميع الوجوه المطلوبة للنبي. كيونس - عليه السلام - الذي قصر في الصبر المطلوب من أمثاله. فنهى الله نبيه محمدًا - صلى الله عليه وسلم - أن يتخذه قدوة فيه. كما جاء في قوله: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ} (القلم/48) . أما إبراهيم - عليه السلام - فهو من أولي العزم الذين أمر الله نبيه محمدًا - صلى الله عليه وسلم - بالاقتداء بهم. فقال: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ} (الأحقاف/35) .
(فالإمامة التي سألها إبراهيم لبعض ذريته من هذا الجنس. وهي قد تحصل لكل مؤمن. بدليل أن الله أرشد عباده جميعًا أن يسألوه إياها وذلك في قوله: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا} (الفرقان/74) .
(وعلاقة الإمامة هنا بالأزواج والذرية: هي أن من تصدى لإمامة الناس. إذا كان له زوجة سيئة، وذرية عاقة مشاكسة، انشغل بهم وبمشاكلهم عن مطالب الإمامة. فلم ينجح في أدائها. مما يدل على أن الإمامة ليست منحة قدرية كائنة لا محالة. دون سبب أو سعي من صاحبها.
(وقد جاء هذا الدعاء مبدوءًا بقوله تعالى: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا