الصفحة 14 من 47

ب. ورود اللفظ في غير المعصومين وأول ما ينقض هذه الدعوى - العارية أساسًا عن الدليل المعتبر - العلم بورود هذا اللفظ في حق أشخاص مجمع على عدم عصمتهم كما في الأمثلة القرآنية الآتية:

قال تعالى عن أهل بدر وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا: {إِذْ يُغَشِّيكُمْ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الاقْدَامَ} (الأنفال/11) .

(والاتفاق حاصل على عدم عصمة أهل بدر، مع أنهم موصوفون بالتطهير و(إذهاب الرجس) . فاللفظ إذن لا علاقة له بالعصمة. (والرجز) و (الرجس) متقارب في لغة العرب.

جاء في (مختار الصحاح) للرازي: (الرجز) القذر مثل الرجس، ولعلهما لغتان أبدلت السين زايًا كما قيل للأسد: الأزَد. وفي هذه الآية مزايا لأهل بدر زيادة على ما في (آية التطهير) . فإن الله تعالى زادهم الربط على القلوب وتثبيت الأقدام. إضافة إلى أمور بلاغية أخرى لا حاجة لذكرها في مقامنا هذا. بل عمّ جميع المسلمين فقال: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} (المائدة/6) . واللفظ (يريد ليطهركم) واحد في الآيتين، ولو كانت إرادة التطهير تعني (العصمة) لكان كل مسلم معصومًا.

(وقال عن جماعة صرح بارتكابهم الذنوب: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ - خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيم} (التوبة /102،103) . فلو كان لفظ (التطهير) معناه (العصمة) لما وصف الله به هؤلاء المذنبين!

(بل في الآية ما هو أبلغ من التطهير! ألا وهو(التزكية) ، فإن التطهير غايته الوصول إلى عدم، وهو إزالة الشيء المتطهَّر منه، بينما التزكية أمر وجودي وهو الاتصاف بالبركة والزيادة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت