قال: أما إنه لم يخرج من السجن حتى ندم على مقالته، فقال يزيد: ما ندمت على مقالتي، وأيم الله لقد قمت مقامات خاطرت فيه بنفسي وما لقيت من إخواني أشد علي من مقامي عندي، إن طائفة منهم قالوا: مراء، وقالت طائفة أخرى: إني مجنون ثم حدث يزيد فقال: أتيت الحسن فقلت: يا أبا سعيد قد غلبنا على كل شيء، وعلى صلاتنا تغلب؟ ثم قال الحسن: يا عبد الله إنك لن تضيع شيئا إنما تعرض نفسك لهم، ثم أتيته مرة أخرى فقال لي مثل ذلك، ثم أتيته مرة أخرى فقال لي مثل ذلك، فقمت يوم الجمعة والحكم بن أيوب يخطب الناس وكان ختن الحجاج وابن عمه، فقلت: الصلاة يرحمك الله الصلاة فما عدا أن تكلمت جاءوني يعدون من كل ناحية حتى أخذوا بلحيتي ورأسي وجعلوا يضربون وجهي وصدري وسكت الحكم، وجاءوني وفتح باب المقصورة ودخلت وقد ضُربت حتى أقاموني بين يديه وهو على المنبر فقال لي الحكم: أمجنون أنت؟! قلت: أصلح الله الأمير ما بي جنون، قال: أما كنا في صلاة؟ قلت: أصلح الله الأمير أليس أفضل الكلام كلام الله تعالى؟ قال: بلى، قلت: أرأيت لو أن رجلا صلى الغداة ثم نشر مصحفا فقرأ حتى يمسي لا يصلي بين ذلك أكان ذلك قاضيا عنه، فقال الحكم: والله إني لأحسبك مجنونا، قال: وأنس والله لجنب المنبر جالس فناديت: يا أنس يا أبا حمزة أذكرك الله فإنك رجل من الأنصار، وخدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم أبحق قلت أم بباطل أبمعروف قلت أم بمنكر؟ فوالله ما أجابني بكلمة، قال: يقول الحكم: يا أنس قال: لبيك أصلحك الله قال: وقد كان ذهب ميقات الصلاة، قال: يقول أنس: قد بقي من الشمس بقية فقال: احبساه. وذهب بي إلى السجن وجاء إخواني والناس فشهدوا أني مجنون، فكتب فيّ إلى الحَجّاج أن رجلا من بني ضبة قام يوم الجمعة فتكلم وقد شهدت عندي الشهود العدول أنه مجنون، فكتب الحجاج إلى الحكم: إن كانت شهدت عندك العدول أنه مجنون فخل سبيله، وإلا فاقطع يديه ورجليه، واصلبه، فتُركت فمكثت ما شاء الله تعالى، ثم مات أخ لنا فصلينا عليه، ثم جلسنا نذكر الله تعالى فلا والله ما شعر إلا نواصي الخيل وإذا الحكم بن أيوب قد اطلع في الخيل، فلما رأوا سوادنا توجهوا نحونا فهرب كلهم، وتركت وحدي، وجاء الأمير حتى وقف علي فقال: ما كنتم تصنعون؟ قلت: أصلح الله الأمير أخونا هذا مات فدفناه، ثم قعدنا