الصفحة 55 من 306

إن فقر الطائفة الشيعية هو أمر لا يمكن إنكاره, إلا أنه لا يكفي بحد ذاته لتفسير كيف تمكن هذا الحشد الهائل من (( أكياس البطاطا ) ) (بحسب تشبيه ماركس القاسي) من تخطي تخلفهم السياسي, فبغض النظر عن نشاطات الزعماء الذين يمثلون قطاعات معينة من الجماعة فإن الشيعة كمجموعة عرفوا منذ زمن بعيد بالهدوء السياسي أو حتى بعدم علاقتهم بالسياسة في لبنان, ولعل أحد أهم الأسئلة المركزية لدارسي التغيير السياسي, إن لم يكن السؤال الأساسي, هو: ما هي العملية التي يتم عبرها تسيس الناس؟ إن عملية التغيير, وديناميته, وسرعته, وقوته هي جوهر التطور السياسي.

لماذا وكيف وجد الشيعة غير المشاركين سابقًا في النشاط السياسي أنفسهم سياسيًا؟ أنا أرى أنها نتاج عملية من شقين:

الشق الأول وهو سبب حدوث العملية وهذا يمكن وصفه بسهولة بأنه نتاج انسلاخ الشيعة اقتصاديًا واجتماعيًا عن بيئتهم الأصلية وكما سنرى لاحقًا فإن أخذ التغيرات السياسية والاجتماعية التي جرت في لبنان مؤخرًا بعين الاعتبار, يساعدنا في فهم قابلية الشيعة المتزايدة للعمل السياسي, إلا أنه لا يفسر لنا وجهة هذا العمل أو شكله, لكن أهمية الجماعة المنسلخة ليست إلا بالقوة فقط, ولا تتحقق بالفعل إلا عندما تعبأ لخوض العمل السياسي, وهكذا فإن المرحلة الثانية مرحلة كيف يمكن أن نطلق عليها مرحلة التعبئة السياسية للشيعة وسوف نعرضها في الفصل التالي بالتفصيل, إلا أننا سنشدد حاليًا على الخطوة الأولى من العملية التي مكنت الشيعة من كسر أطر العزلة السياسية والحرمان الاقتصادي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت