فهرس الكتاب
والتفسير الأوضح لتضامن الشيعة النسبي يكمن في أنه من شبه المستحيل كما هو شائع, أن يتخلص المرء من هويته الطائفية في لبنان, فسواء نظرنا إلى النجاح الضئيل للأحزاب السياسية العلمانية, أم إلى استمرارية الميليشيات الطائفية فإنه من الصعب أن لا نصطدم بما يثبت استمرارية وثبات الهوية الطائفية ولقد أثبت الزعماء اللبنانيون الناجحون, فضلًا عن المنظمات التي تحدت سلطتهم, صحة مقولة فؤاد خوري: (( إن الترتيبات السياسية تبقى قائمة طالما ظلت تعكس الحقائق الاجتماعية ) ) (1) .
فمن الصعب أن نجد حتى بين مثقفي بيروت المحنكين, من لا يميز بين معارفه طائفيًا, هذا لا يعني بالضرورة أن الحمى الدينية منتشرة بشكل واسع, إلا أن الهوية الدينية هي التي تحدد للمرء المنظمة الاجتماعية الأولية التي يحافظ بواسطتها على أمنه السياسي (2) أما التفاضل بحسب الطوائف فيقوى أيضًا بالقواعد السلوكية والحقول الثقافية المميزة: الدين, اللباس, قانون الأحوال الشخصية, المأكل, بل وحتى شكل الحلاقة المفضل.
وكل هذا لا ينفي ظهور بنية طبقية أولية في لبنان, إلا أنه عندما يوجد الوعي الطبقي فإنه يكون عادة محجوبًا ومعميًا بالهويات البدائية, وفي الحقيقة, وكما يزعم إيليا حريق عن حق أنه في حالة لبنان والعراق فإن ظروف الشيعة الاقتصادية الاجتماعية الموضوعية تتطابق مع مشاعرهم الأولية إلى درجة لا يعود معها من الممكن فصل الواحد عن الآخر (3) وبينما يوفر وضع الشيعة الاقتصادي قاعدة تحديد انتسابهم إلى مجموعة واحدة, فإنه لم يؤد إلى ممارسة على قاعدة طبقية تتخطى إطار الطوائف.
(2) انظر: Hudson, Precarious Republic, P. 22