فهرس الكتاب
إن القول بصعوبة توخي الدقة, بناء على المعطيات المتوفرة عن لبنان, هو قول لا يزال أقل من الواقع بكثير. إلا أن المعطيات المتوفرة على ندرتها لا تتناقض على أي حال, مع الانطباعات التي توصلت إليها في عملي الميداني, إلا في كونها تقلل من أهمية مستوى تسيس الشيعة الريفيين خاصة واللبنانيين عامة, ففيما يتعلق بمدى التمدين مثلًا, فإن إحصاءات البنك الدولي تظهر بأن (76 % من السكان مدينيون) (1) , إلا أني أرى بأن هذا العدد يقلل من نسبة تمثيل بعض سمات التمدين ويضخم سمات أخرى, فإذا كنا نعني بالتمدين التعرض لبعض مظاهر الحداثة كالتكنولوجيا, ووسائل الإعلام, والسلع الاستهلاكية, والتبادل النقدي والتعليم, فإن لبنان يكاد يكون مدينيًا بشكل تام, وذلك بالرغم من تعلق اللبنانيين بالصورة الخرافية الطهرانية لقراهم التي لم تتلوث بفساد المدينة. وفي الحقيقة فإن هذه القرى ليست سوى جزء من تاريخ لبنان الاجتماعي (2) , فالقرى الرعوية المعزولة, لا يصح مجرد القول بأنها مغير منتشرة في لبنان, بل هي نادرة أساسًا, فكما لاحظ حريق (( أن لبنان كله من نواحي عدة, هو ضاحية كبيرة واحدة لبيروت ) ) (3) فللأسباب التي توسع خوري في عرضها, أصبح نموذج القرية المعزولة, الآمنة في تقاليدها وعاداتها والتي لم تؤثر فيها ديناميات التحديث, أطلالًا تدرسها الأثتوغرافيا, بشكل عام لا تملك أي جماعة (قرية, ضاحية, مدينة) في لبنان حدودًا طبيعية توازي حدودها الاجتماعية الثقافية, ورغم كونها مسألة درجات متفاوتة فالظاهرة
(1) يزعم خوري في كتابه المذكور في الهامش 55 أن 83% من سكان لبنان مدينيون.
(2) يركز عمل فؤاد عجمي الجديد وهو قيد الإنجاز على حقائق الحياة في القرية في لبنان المعاصر.