الصفحة 81 من 306

البارزة هي ظاهرة تخطي المجموعات الاجتماعية للحدود الجغرافية, وهي خاصية أقرب للتقاليد المدنية منها للتقاليد الريفية (1) ولقد اكتسب عمل خوري المنشور في 1975 أهمية أكبر على ضوء التغيرات التي حدثت منذ نشره.

لكن حتى الفلاحين البُسطاء والفلاحين الذين عرفتهم يمكن نعتهم بأي صفة باستثناء البساطة, يظهرون مدى زيف صورة الفلاحين الساذجين المعزولين عن العالم الخارجي, فالقريون, رغم موقفهم المحافظ في عدد من القضايا الاجتماعية, يبدون تفهمًا متطورًا بشكل معقول لما يقدمه العالم خارج القرية في سلبياته وإيجابياته, ولا شك في أن هذه الحجة قد تصح على قرى في بلدان أخرى, إلا أنه في لبنان بالتحديد عملت عدة عوامل فريدة على تقصير المسافة الاجتماعية السياسية التي تفصل قطاع الريف عن القطاع المديني.

كالهجرة الدائرية التي يهاجر فيها الأبناء إلى الخارج كي يبحثوا عن رزقهم, إلا أنهم يعودون لزيارة قريتهم بشكل منتظم, وغالبًا ما يعودون للاستقرار النهائي فيها, يشير أحد التقريرات إلى أنه في عام 1983 كان 35 % من قوة العمل اللبنانية خارج لبنان, وإن 50 % من إجمالي قوة العمل اللبنانية كان في الخارج مرة أو أكثر خلال العقد الماضي (2) ففي إحدى القرى الغنية, والتي اعتبرها نموذجية, يبلغ عدد السكان في الصيف ضعف عددهم في الشتاء, وهذا ناتج عن عودة التجار الشيعة لقضاء إجازتهم السنوية من مركز عملهم في دكار وأبيدجان, والمهاجرون العائدون للوطن, سواء بصفة نهائية أم مؤقتة, يحضرون معهم تكنولوجيات وأفكارًا وأساليب جديدة, بل إن وجودهم بحد ذاته, يرمز إلى صلة القرية بالعالم الخارجي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت