فهرس الكتاب
التعبئة السياسية
بغض النظر, بل على الرغم من تخلف شيعة لبنان السياسي والاجتماعي والاقتصادي فإنهم لم يكونوا بمنأى من عملية التغيير العميق التي كانت تؤثر على لبنان كله في أوائل الستينات, وكما أشرنا في الفصل السابق فإن التحولات القطاعية على المستوى الاقتصادي دفعت بالفلاحين بعيدًا عن زراعة العمالة المكثفة ونحو الوظائف القليلة الأجر في قطاع الخدمات في ضواحي بيروت أو نحو البطالة, وبينما لم تشهد البنية التحتية (الطرقات, الآبار, خطوط الهاتف, والكهرباء) تحسنًا فعليًا, ازدادت إمكانية وسهولة الانتقال بين المدينة والقرية ووصلت وسائل الإعلام (الصحف وخصوصًا الراديو) إلى مزيد من المناطق التي كانت تعتبر نائية, وبينما كانت مدارس الشيعة لا تزال أقل عددًا ونوعية من المدارس المتاحة لغيرهم من اللبنانيين, أصبح التعليم وخصوصًا في مرحلته الابتدائية متوفرًا بسهولة ويسر, وفتحت الحوانيت في قرى لم تعرف مثلها من قبل, وهاجر رجال, كانوا في السابق يسيرون على خطى آبائهم من الفلاحين, إلى بيروت أو إلى الخارج, فالشيعة مثلهم مثل بقية اللبنانيين كانوا قد دخلوا في دورة التغيير, وأخذوا يعانون من انتزاعهم من محيطهم المألوف وارتباطاتهم الحميمة في الوقت الذي كانت فيه ضغوطات النظام السياسي التقليدي تتزايد بشكل حاد, وباختصار فمع قدوم الستينات كانت أعداد متزايدة من الشيعة مستعدة, أكثر من أي وقت مضى, للانخراط في الحركات السياسية (عملاء التعبئة) التي تترجم تسيسهم الأولي إلى عمل سياسي وبينما لم يكن أحد خارج لبنان ليعيرهم أدنى اهتمام كان الشيعة قد بدأوا صحوتهم السياسية التي كان من المقدر لها أن تلعب دورًا هامًا في تحديد مصير لبنان السبعينات والثمانينات.