فهرس الكتاب
وسبق ذلك عدة أحاديث مثله، عَنْوَن لها النوويُّ بقوله:"باب مَن لعَنهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أو سبَّه أو دعا عليه وليس هو أهلا لذلك؛ كان له زكاةً وأجرا ورحمة"، ثم أورد مسلمٌ عَقِبَها مباشرة ضِمنَ الباب نفسه (4/ 2010 رقم 2604) حديث ابنَ عباس رضي الله عنهما قال:"كنتُ ألعبُ مع الصِّبيان، فجاء رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فتواريتُ خلفَ باب، قال: فجاء فحَطَأَني حَطْأة، وقال: اذهبْ وادعُ لي معاوية، قال: فجئتُ فقلت: هو يأكل. قال: ثم قال لي: اذهب فادعُ لي معاوية. قال: فجئتُ فقلت: هو يأكل، فقال: لا أشبع الله بطنَه".
قلت: والعلماءُ المعتَبَرون فهموا واستنبطوا من الحديث منقبةً لمعاوية رضي الله عنه، فصنيعُ الإمام مسلم صريحٌ في ذلك، وأكّد عليه الإمامُ النووي في تبويبه وشرحه للصحيح، فقال (16/ 156) :"وقد فهم مسلم رحمه الله من هذا الحديث أن معاوية لم يكن مستحقا للدعاء عليه، فلهذا أدخله في هذا الباب، وجعله غيرُه من مناقب معاوية؛ لأنه في الحقيقة يصير دعاء له"، وأشار لهذا البيهقي في دلائل النبوة (6/ 243) وعنده زيادة:"فما شبع بطنه أبدا"، وكذلك قرن الحديثين معًا الحافظُ الذهبي في السير (3/ 124 و14/ 130) ، وفي تذكرة الحفاظ (2/ 699) ، وابنُ كثير في البداية والنهاية (11/ 402 ط. التركي) وغيرُهما، وعدُّوه من فضائل معاوية [1] .
وقال ابن كثير:"وقد انتفعَ معاويةُ بهذه الدعوة في دُنياه وأُخراه، أما في دنياه فإنه لما صار إلى الشام أميرًا كان يأكلُ في اليوم سبعَ مرات، يُجاء بقصعةٍ فيها لحمٌ كثير وبصلٌ فيأكل"
(1) أعجبتني لَفتةٌ مِن الشيخ ربيع بن عبد الرؤوف الزواوي وفقه الله إذ يقول:"انظر إلى أهل العلم كيف يبحثون عن الفضائل، ويَجمعون شتاتها، ويُركّبونَ مُتَفرِّقَها، لأن قلوبَهم سَلِمَت لأصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، واليوم يبتُرُ بعضُ أهل الكلام النصوص؛ ليخترع للقوم ذُنوبا ونقائص يُطْلِقون الألسنة بها". (تصحيح الأفهام حول ما أُثير من خلافٍ بين الصحابة الكِرام ص62)