الصفحة 51 من 378

وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يربي أصحابه على محبته أكثر من محبتهم لأنفسهم، ليقدموا محاب الله ومحاب رسوله على محاب أنفسهم، كما في حديث عبد الله بن هشام، رضي الله عنه، قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر:"يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء، إلا نفسي"فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك) فقال عمر:"والله لأنت أحب إلى من نفسي"فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (الآن يا عمر) [البخاري (7/218) ] .

فعلى الذين ينشدون في مجتمعاتهم أمن الناس على أنفسهم وأعراضهم وأموالهم وسائر حقوقهم، حاكمين ومحكومين، أن يربّوا أفرادهم وأسرهم على محبة الله تعالى ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومحبة كل ما يحبه الله ورسوله، حتى يقدموا محاب الله ورسوله على محاب كل أحد سوى الله ورسوله، حتى ولو كانت أنفسهم.

أما تربية الناس على حب غير الله ورسوله حبا يتعارض مع مقتضى حب الله ورسوله، فإن في ذلك الدمار والهلاك وعدم الأمن والاستقرار، لأن الذي يربي الناس على حب نفسه لا يلبث الناس أن ينقلبوا أعداء له، لأن حب غير الله لا يدوم في نفوس الناس، بسبب أنهم جبلوا أن لا يحبوا أحدا غير الله إلا لمصالح مادية تعود عليهم، فإذا وجدوا مصالح مادية عند غير محبوبهم الأول أكثر، مالوا إلى هذا ووقفوا معه ضد ذاك، وهذا ما يشاهد في هذه الحياة.

أمّا إذا حبّ الناس أحدًا لله واستقام على طاعة ربه، فإن حبهم له لا يتغير غالبًا، لأنه تابع لمحبة الله، ومحبة الله ثابتة في قلب المؤمن، وكذلك محبة من يحبه الله.

المبحث الثامن: العلم بأن الله واهب الحياة والرزق.

إن أعظم ما يحرص عليه الإنسان في الدنيا أمران:

الأمر الأول: الحياة وطول الأجل.

الأمر الثاني: الرزق، وهو شامل لكل ما ينتفع به ويتمتع من مال وأهل وسكن وجاه ومنصب ومكانة وغيرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت