فهرس الكتاب
كما في حديث علي رضي الله عنه قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا النبي صلى الله عليه وسلم، فقعد وقعدنا حوله، ومعه مخصرة [المخصرة عصا أو قضيب يتوكأ عليه، أو يشير به الخطيب] فنكس، فجعل ينكت بمخصرته، ثم قال: (ما منكم من أحد، ما من نفس منفوسة إلا كتب مكانها في الجنة والنار، وإلا قد كتب شقية أو سعيدة) . فقال رجل: يا رسول الله أفلا نتكل وندع العمل؟ فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة، وأما من كان منا من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة، قال: (أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة) ثم قرأ: (( فأما من أعطى واتقى... ) )الآية [البخاري 2/99) ومسلم (4/2039) ] .
فالقدر المجهول لا يمنع من السعي المشروع، ولا يجوز لتارك العمل المشروع الاحتجاج بمضي القدر، ولهذا كان الذي يُقتَل دون نفسه شهيدًا، مع أن أجله قد قضى أن يقتله ذلك القاتل المعتدي الذي حاول المقتول أن يدفعه عن القتل، وأمر الله تعالى الإنسان بكسب رزقه والسعي له.
كما قال تعالى: (( وهو الذي جعل لكم الأرض ذلولًا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور ) ) [الملك: 15] .
فعلى الإنسان أن يبذل طاقته في تحصيل مصالحه، ودرء المفاسد عنه، ولكن لا يركن إلى سعيه ذلك ويعتقد أنه ينشئ النتيجة ولا بد، بل يعتقد أنه يعمل السبب المشروع، وأن الله هو خالق السبب والمسبب معًا، ولا قدرة لأحد على دفع ما أراد الله تعالى وقوعه.
قال ابن حجر رحمه الله في شرح حديث عمران بن حصين الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (كل يعمل لما خلق له، أو لما يسر له) [البخاري (7/210) ] :"وفي الحديث إشارة إلى أن المآل محجوب عن المكلف، فعليه أن يجتهد في عمل ما أمر به، فإن عمله أمارة إلى ما يؤل إليه أمرره غالبًا، وإن كان بعضهم قد يختم له بغير ذلك" [الفتح (11/493) ] .