الصفحة 69 من 378

وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى على عباده المؤمنين، ولم ينل هذا الفضل غيرهم، ممن يعبدون أهواءهم ويفضّلون المعصية على الطاعة، وقد امتن الله على عباده المؤمنين بهذا الفضل العظيم، فقال عز من قائل: (( واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون، فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم ) ) [الحجرات: 7-8] .

المبحث الثاني:

اكتساب الحرية الحقة

إن الذي يرزقه الله العلم النافع، وهو هُدَى الله، والعمل الصالح، وهو الدين الحق، أي تطبيق علمه بسلوكه العملي، يُغرَسُ في قلبه أمران عظيمان:

الأمر الأول: العبودية الكاملة لله سبحانه وتعالى، بحيث لا يتحرك ولا يسكن إلا في عبادة ربه وطاعته، تحقيقًا لقوله تعالى: (( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) ) [الذاريات: 56] وقوله تعالى: (( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ) ) [الأنعام: 162-163] .

والأمر الثاني: الحرية الكاملة من عبودية غير الله، من هوى ونفس وشيطان وملذات وطغاة، فإذا تمكنت عبوديته لله من قلبه، وتحرر من عبودية غير الله، كان أهلًا لأن يأمنه الناس على كل شيء، لأنه لا يستجيب لرغبة، ولا يخضع لرهبة، ولا يقوده إغراء ولا شهوة، ولا يتبع هوى، وإنما يستجيب لأمر الله، وأمر الله لا يوجد فيه إلا عمل الخير الذي فيه غاية الأمن لكل البشر.

والذي يعتدي على حقوق الله أو حقوق عباده، إنما يفعل ذلك بسبب استرقاق الشهوات لقلبه الذي لم تتمكن من عبودية الله منه، وإنما تمكنت منه عبودية غيره، فهو أسير شهواته وهواه ولو كان في ظاهر أمره ملكًا للناس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت