فهرس الكتاب
وقد دل القرآن الكريم على أن الذي يحقق عبودية الله في نفسه، يسلم من عبودية غيره، والذي لا يحقق عبودية الله في نفسه، يكون عبدًا لشتى مخلوقاته، فالحرية الحقة هي عبودية الله الواحد، والعبودية المذِّلة هي الخضوع لغير الله، قال تعالى: (( ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ) ) [الزمر: 29] .
والمثل مضروب لتقريب المعنى للأفهام، فالذي يكون مملوكًا لعدد من الناس يلقى عنتًا ومشقة في إرضائهم، ولا يجد منهم رأفة به ولا إعانة على مصالحه، بخلاف من كان مملوكًا لمالك واحد، فإنه يرضيه بطاعته ولا يجد من يعارضه في ذلك، ويثيبه مالكه على عمله ويعرفه له، فالذي يعبد الله وحده هو الحر الذي لا تستعبده آلهة شتى، والذي لا يعبد الله وحده يكون مسترقًا لتلك الآلهة المتعددة: آلهة الطواغيت التي تأمره بالمنكر فيفعله، وتنهاه عن المعروف فيتركه، وآلهة الشهوات التي تدعوه إلى الوقوع فيها والاعتداء على حقوق الناس، وهذا هو العبد الذليل الحقير لهواه وشهواته، فَقَدَ العزّة التي تنال بعبادة الله، فأبدله بها الذل لغيره.
وهذا ما عناه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة [الخميصة كساء مخطط جميل] ، إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش) . هذا هو الذي لم تتمكن العبودية الحقة من قلبه، فأصبح عبدًا لكل شيء.
أما من تمكنت عبودية الله من قلبه فقد عناه النبي صلى الله عليه وسلم في نفس الحديث بقوله: (طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة، كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له وإن شفع لم يشفع) [البخاري (3/223) ] .