فهرس الكتاب
إن عبد الله حر عزيز، ولو لم يكن له ذكر بين الناس ولا جاه ولا منصب ولا هيئة تجعل الناس يلتفتون إليه، قد تقفل أبواب الناس في وجهه، ولكن باب الله مفتوح له، وإذا شفع عند أحد ردّت شفاعته، ولكن شفاعته عند الله مقبولة.
أما صاحب الجاه والمنصب والغني والهيئة، إذا لم يحقق عبوديته لله، فإنه عبدٌ لجاهه ومنصبه وغناه وهيئته ولا قيمة له عند الله.
هذا، ولابن تيمية رحمه الله كلام جميل بديع في معنى الحرية في غاية من الدقة والعمق، فهو لا يعتبر من غلبته شهوته وهواه حرًا في عرف الشرع، ولو كان سيدًا مطاعًا في الأرض، وإنما يعتبر الحر من تحققت فيه العبودية لله، وتخلص من عبوديته لغير الله.
قال رحمه الله:"فإن أسْر القلب أعظم من أسر البدن، واستعباد القلب أعظم من استعباد البدن، فإن من استُعبِد بدنه واستُرِق وأُسِر، لا يبالي إذا كان قلبه مستريحًا من ذلك مطمئنًا، بل يمكنه الاحتيال في الخلاص، وأما إذا كان القلب - الذي هو ملك الجسم - رقيقًا مستَعبَدًا متيمًا لغير الله، فهذا هو الذل والأسْر المحض، والعبودية الذليلة لما استُعبد القلبُ، وعبودية القلب وأسره هي التي يترتب عليها الثواب والعقاب، فإن المسلم لو أسره كافرٌ أو استرقه فاجر بغير حق، لم يضره ذلك إذا كان قائمًا بما يقدر عليه من الواجبات... أما من استعبد قلبه فصار عبدًا لغير الله، فهذا يضره ذلك ولو كان في الظاهر ملك الناس، فالحرية حرية القلب، والعبودية عبودية القلب...".[من كتاب العبودية ص:96-97 طبع المكتب الإسلامي.
وراجع كتاب منهج التربية الإسلامية، لمحمد قطب (1/270) والعدالة الاجتماعية لسيد قطب، ص:37-51].