الصفحة 72 من 378

والمقصود من هذا المبحث، أن الذي يُرَبّى على عبودية الله وحبه، والخوف منه، واتباع شرعه، والبعد عن معصيته، والتوكل عليه وحده، وعدم الخوف من غيره أن يقرب أجلًا أو يقطع رزقًا، إن الذي يربّى هذه التربية يصبح حرًا من اتباع الأهواء والشهوات وطغاة الباطل، فلا يقدم على معصية لربه أو ما يضر الناس، وهنا يكون الأمن والطمأنينة، بخلاف من أسر لشهوته وهواه أو لطاغية، فإنه يقدم على المعاصي والجرائم ولا يبالي ضرر الناس وأذاهم.

ولما كان معنى الحرية عند كثير من الناس هو الانطلاق الكامل في الاستمتاع بما يقدر عليه الفرد، ترتب على ذلك الاعتداء على المحرمات، واصطدمت الرغبات ونجم النزاع، ونتج عن ذلك اختلال الأمن في أرجاء المعمورة على الضرورات التي لا حياة بدون حفظها [راجع كتاب: الإسلام وضرورات الحياة للمؤلف] .

قال سيد قطب رحمه الله:"لا تستقيم حياة يذهب فيها كل فرد إلى الاستمتاع بحريته المطلقة إلى غير حدٍ ولا مدى، يغذيه الشعور بالتحرر الوجداني المطلق من كل ضغط، وبالمساواة المطلقة التي لا يحدها قيد ولا شرط، فإن الشعور على هذا النحو كفيل بأن يحطم المجتمع، كما يحطم الفرد ذاته، وللمجتمع مصلحة عليا لا بدّ أن تنتهي عندها حرية الأفراد، وللفرد ذاته مصلحة خاصة في أن يقف عند حدود معينة في استمتاعه بحريته، لكي لا يذهب مع غرائزه وشهواته ولذائذه إلى الحد المردي."

ثم لكي لا تصطدم حريته بحرية الآخرين، فتقوم المنازعات التي لا تنتهي، وتستحيل الحرية جحيمًا ونكالًا، ويقف نمو الحياة وكمالها عند حدود المصالح الفردية القريبة الآماد، وذلك كالذي حدث في حرية النظام الرأسمالي وما صاحبه من نظريات الحرية الحيوانية للشهوات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت