فهرس الكتاب
والإسلام الذي يمنح الحرية الفردية في أجمل صورها، والمساواة الإنسانية في أدق معانيها، ولكنه لا يتركهما فوضى، فللمجتمع حسابه، وللإنسانية اعتبارها، وللأهداف العليا للدين قيمتها، لذلك يقرر مبدأ التبعة الفردية، ويقرر إلى جانبها مبدأ التبعية الجماعية التي تشمل الفرد والجماعة بتكاليفها، وهذا ما ندعوه بالتكافل الاجتماعي" [العدالة الاجتماعية ص: 62-63] ."
المبحث الثالث:
نماذج تطبيقية لأثر التربية الإسلامية
لقد أثرت التربية الإسلامية في المسلمين تأثيرًا ما كان أحد يتوقع حدوثه في الأرض، لم يتوقعه أحد ممن لم يذق طعم الإسلام وما يحدثه في النفوس من تغيير، وسلوك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على مدى ذلك التأثير.
ونضرب لذلك ببعض الأمثلة:
المثال الأول: سرعة التنفيذ اختيارًا وامتثالًا.
إن الأمور التي يعتادها الناس لمدة طويلة وهي مما تشتهيه النفوس، يصعب على تلك النفوس أن تتركها، وإذا حاول القليل أن يتركها تشبّث بها أكثر الناس، ولكن النفوس المؤمنة التي تربت على طاعة الله ورسوله، لا يصعب عليها الإقلاع عمّا ألفت إذا أراد الله منها ذلك الإقلاع؛ وإنما يصعب عليها أن تبقى على ما ألفت حياء من الله وخوفًا من سخطه.
فقد كان كثير من أصحاب رسول الله صلى اله عليه وسلم، مازالوا يشربون الخمر في المدينة، قبل أن ينزل تحريمها صريحًا في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فلما نزل تحريمها سارعوا إلى اجتنابها مسارعة الراغب في رضا الله تعالى، الذي في يده الكأس لم يرفعها إلى فيه، والذي قد أخذ جرعة في فمه لم يستسغ إنزالها إلى جوفه، بل مجّها من فوره، والذي قد شرب منها شيئًا حاول أن يستقيئ، ليطهر جوفه من الرجس الذي حرمه الله، وجرت سكك المدينة بالخمور التي أهرقوها من دنانها، حتى لا يبقى شيء منها أمام أعينهم.