فهرس الكتاب
كما روى أنس بن مالك، رضي الله عنه قال:"كنت ساقي القوم يوم حرمت الخمر، في بيت أبي طلحة، وما شرابهم إلا الفصيخ [خليط من البسر والرطب أو من أحدهما ينبذ في الماء ويشرب] والبسر والتمر، فإذا منادٍ ينادي، فقال: اخرج فانظر، فخرجت فإذا منادٍ ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت، قال: فجرت في سكك المدينة، فقال لي أبو طلحة: اخرج فأهرقها، فهرقتها.."[البخاري (6/241-242) ومسلم (3/1570) واللفظ له، وغيرهما من أهل السنن.
رجل واحد ينادي بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحريم الخمر، فيسرع الناس بإهراق القلال المملوءة به - كما ورد في بعض روايات أنس:"أهرق هذه القلال"- في شوارع المدينة حتى تجري فيها لكثرتها، ولم يتردّدوا في ذلك مع ما عرف من صعوبة إقلاع شاربي الخمر عنها، ثم لم يراجعوها بعد ذلك ولا سألوا عنها، ولم يكن ذلك لقوة السلطة المادية من المطاردة، وفتح السجون والغرامات وغيرها، وإنما كان بسبب التقوى الربانية - أي القوة الإيمانية المغروسة في النفوس - إنه امتثال أمر الله ورسوله عن رضا واطمئنان.
مثال للمقارنة
وينبغي - هنا - أن نذكّر بقصة إصدار أكبر دولة مادية في العصر الحديث، قانونا بحظر الخمر والعقاب عليها، وتجنيد هذه الدولة كل قواها البشرية والمالية، ووسائل إعلامها، وفتح سجونها على مصراعيها لملئها بالجناة الذين لم يستجيبوا لتطبيق القانون الذي صدر في 16 يناير عام 1919م على أن ينفذ عام 1920م، وسبق المنع حملة واسعة من التوعية في جميع وسائل الإعلام، وفي المدارس والمصانع، وصار تدريس أضرار الخمر جزئًا من المواد الدراسية التي يدرسها الطلبة في الابتدائي والثانوي والجامعة.