فهرس الكتاب
إن الرجل جنى واختفى، واتُّهِم غيره، وكاد يطبق العقاب على المتهم، وهو الرجم إلى الموت، ولو أراد الجاني أن يستمر في الاختفاء لفعل، ولكن خوف الله ساقه سوقًا لإنقاذ حياة بريء، وتقديم نفسه للموت، فكانت توبة لو تابها أهل المدينة لقبل الله منهم.
قال أبو زهرة رحمه الله، وهو يعدّد فوائد يقظة الضمير الديني - أي بالتربية الإسلامية:"الثاني: أن إيقاظ الضمير يسهّل الإثبات، لأن الجرائم لا تقع إلا في كِنٍّ من الظلام، مستترة غير ظاهرة، فإذا أحس الذين عاينوا وشاهدوا أن عليهم واجبًا دينيًا أن يبلغوا فإنهم يبلغون، تنفيذًا لحكم ربهم."
وذلك لقوله تعالى: (( يا أيها الذين ءامنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا ) ) [النساء: 135] .
ولقد بلغ من قوة الضمير أن الرجل يأخذ ولده إلى الرسول عليه السلام، فيقيم عليه الحد إذا وجب.."ثم ذكر حديث أبي هريرة وزيد بن خالد المتقدم [الجريمة والعقوبة (1/13) ] ."
المثال الرابع: رفض الإغراء واحتمال المكاره رغبة فيما عند الله وخوفًا من عقابه.
كما في حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده رضي الله عنهما، قال: كان رجل يقال له مرثد بن أبي مرثد، وكان رجلًا يحمل الأسرى من مكة حتى يأتي بهم المدينة: قال: وكانت امرأة بغي بمكة يقال لها عناق، وكانت صديقة له، وإنه كان وعد رجلا من أسارى مكة يحمله، قال: فجئت حتى انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة في ليلة مقمرة، قال: فجاءت عناق، فأبصرت سواد ظلي بجنب الحائط، فلما انتهت إلَيَّ عرفتني فقالت: مرثد؟ فقلت: مرثد، فقالت: مرحبا وأهلا، هلم فبت عندنا الليلة، قال: قلت: يا عناق حرم الله الزنا، قالت: يا أهل الخيام هذا الرجل يحمل أسراكم.