فهرس الكتاب
أشرنا فيما سبق إلى أن القارئ أو الدارس للنص الشرعى لابد له بعد أن يدرك المعنى اللغوى للكلمات الواردة في النص على أساس ما كان مستعملًا لدى العرب في أثناء نزول الوحى - من حيث نزل بلسان عربى مبين - وبعد أن يدرك الصيغة التى وردت عليها تلك الكلمات.. لابد له أن يعرف موقع كل كلمة في هذا النص - من حيث الإسناد والعلاقات التركيبية في الجملة المفيدة - حتى لا يُنْسَب حدث إلى مَن لم يقم به، فيختلف المعنى المراد للشرع، وينحرف عن مساره، كما أشرنا إلى أن الذى يتكفل بهذه المعرفة هو علم النحو الذى يحدد الموقع الإعرابى لكل كلمة من خلال قواعده واحتمالاته؛ والأمثلة الآتية توضح أثر هذه القواعد في استنباط المعنى والحكم الشرعى:
1 -قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ) [1] اختلف الفقهاء في وجوب القصاص بين الحر والعبد فيما إذا قَتَل الحر عبدًا هل يُقْتل فيه أم لا ؟ وكان معتمدهم الأساسى في فهم تركيب هذه الآية.
فمن رأى وجوب ذلك وقف على قوله تعالى: ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ) وكلمة القتلى عامة تشمل الحر والعبد وجعل الجملة التى تليها: ( الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ ) مستقلة عما قبلها، حيث تستنكر هذه الجملة على العرب عادة الكبر والتعالى القبلية، فحين كان يُقْتل عبد من قبيلة تَقْتُل أمامه حرًا من القبيلة القاتلة أخذًا بالثأر.
وإذن فهى تقر مبدأ المساواة، وأول الآية كآخرها وكأنها تقول: دماء البشر متساوية في الحرمة، والعدالة تقتضى أن يُقْتَل القاتل بصرف النظر عن مكانته، فإذا قَتَل الحرُّ حرًا قُتِل فيه، وإن قتل العبدُ عبدًا قتل فيه بلا تمييز.
(1) سورة البقرة - الآية 178 .